شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

دروس وعِبَر من قصة قارون

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

- أين هؤلاء من الأغنياء الصالحين الذين ينفقون أموالهم في مرضات الله في كل زمان ومكان: (عثمان بن عفان يجهز جيش العسرة، ويتصدق بتجارته عام الجدب لفقراء المسلمين - ويشتري بئر رومة صدقة جارية للمسلمين، وغيره من الصالحين).

(2) كثرة المال ليست دليلًا على محبة الله ورضاه عن العبد:

- لقد أعطى الله المال لقارون مع شده كفره، حتى قرنه بفرعون وهامان في الكفر والتكذيب: قال -تعالى-: ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ . إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ) (غافر:23-24) ، وقال -تعالى-: ( أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ . نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ ) (المؤمنون:55-56) .

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنْ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ، فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ ) ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُون َ) (الأنعام:44) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .

(3) كفر نعمة الله سبب في تعجيل العقوبة في الدنيا قبل الآخرة:

- هذه سنة مطردة في كلٍّ من كفر بنعمة الله: قال -تعالى-: ( وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ . فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا ) (العنكبوت:39-40) ، وقال -تعالى- عن صاحب الجنتين: ( وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا ) (الكهف:42) ، وقال عن أصحاب الجنة البخلاء: ( فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ . أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ . وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ . فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ . بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ . قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ . قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ . فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ . قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ . عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ ) (القلم:23-32) .

(4) الله يقدِّر الأرزاق لحكمة بالغة:

- إن من العباد مَن يصلحه الغنى وإن منهم ليصلحه الفقر: قال -تعالى-: ( اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ) (العنكبوت:62) ، وقال -تعالى-: ( وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ) (الشورى:27) ، وروي في الأثر: "إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَوْ أَغْنَيْتُهُ لَأَفْسَدَهُ الْغِنَى، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَوْ أَفْقَرْتُهُ لَأَفْسَدَهُ الْفَقْرُ" (رواه البيهقي في الأسماء والصفات، وضعفه الألباني) .

- والمال قد يكون للإنسان نعمة، وقد يكون له نقمة: قال -تعالى-: ( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) (الكهف:7) ، وقال عن سليمان -عليه السلام-: ( قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ) (النمل:40) .

- ولكن الجهلة المغترون بالثراء والشهوة اعتبروا ذلك مقياسًا للسعادة: ( قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ).

(5) المال عرض زائل، ومتاع مفارق:

- كل متاع الدنيا بما فيه المال، سيزول عن الإنسان أو يزول الإنسان عنه ولابد: قال -تعالى-: ( اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ) (الحديد:20) . وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( يَتْبَعُ المَيِّتَ ثَلاثَةٌ، فَيَرْجِعُ اثْنانِ ويَبْقَى معهُ واحِدٌ: يَتْبَعُهُ أهْلُهُ ومالُهُ وعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أهْلُهُ ومالُهُ، ويَبْقَى عَمَلُهُ ) (متفق عليه) .

خاتمة:

- تأمل وتدبر ختام الآيات؛ تعرف المغزى الأعظم من القصة: ( تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (القصص:83) .

فاللهم اجعلنا من الشاكرين لنعمتك، وأحسن عاقبتنا في الأمور كلها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تحدث القرآن عن القصة، ولم يحدد زمانها ولا مكانها، فهل وقعت القصة وبنو إسرائيل في مصر قبل الخروج؟ أم وقعت بعد الخروج في حياة موسى -عليه السلام-؟ أم وقعت في بني إسرائيل من بعد موسى؟ والذي يظهر أنها كانت في مصر قبل الخروج، وقد ذكر بعض المفسرين أن قارون كان بمثابة القائم بالأعمال المختصة ببني إسرائيل لدى فرعون، وقد شملته دعوة موسى -عليه السلام-. قال -تعالى-: ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى? بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ . إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ) (غافر:23-24) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية