الفساد (84) سلبيات أبرزتها أزمة كورونا (12) شركات الأدوية من التنافس على الأدوية إلى الصراع على اللقاح (2-2)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمع بدء الدخول في فصل الشتاء في أواخر عام 2020 م ظهرت الموجة الثانية من موجات فيروس كورونا المستجد، وتفشَّى المرض من جديد وبشدة في دول العالم شرقًا وغربًا، وبدرجة فاقت ما كان في الموجة الأولى من الفيروس والتي بدأت من مقاطعة (يوهان) الصينية في سبتمبر من العام الماضي 2019 م؛ أي: في نفس التوقيت تقريبًا.
ثم انتشرت بعد ذلك شرقًا وغربًا في دول العالم بأسره بلا تمييز أو تفريق بين دول كبيرة وأخرى صغيرة، محدثة ضربة موجعة للاقتصاد العالمي واضطراب في البورصات العالمية، وانخفاض في أسعار البترول، وارتفاع في نسب البطالة جراء فقد الملايين لوظائفهم، مع إصابة الملايين بالمرض ووفاة مئات الألوف منهم، في كارثة لم تعرفها البشرية في عهدها الحديث بهذه الحدة، وهذا الانتشار؛ خاصة بعد أن وقفت البشرية عاجزة أمامها لشهور طويلة رغم كل ما وصلت إليه من رقي وتقدم علمي مذهل!
وقد جاءت الموجة الثانية في شتاء هذا العام تحمل نُذرًا خطيرة؛ حيث ارتفعت نسب المصابين بالفيروس، وما زالت النسب مستمرة في التزايد في أنحاء العالم، وارتفعت معها حالات الوفاة، مهددة حال استمرارها على هذه المعدلات بإحداث ركود اقتصادي جديد أشد، ودافعة إلى عزل صحي وغلق مجتمعي جديد لا مفر منه.
وقد ارتبطت الموجة الثانية من انتشار الفيروس بظاهرتين:
الظاهرة الأولى: ظهور سلالة جديدة من فيروس كوفيد 19 لم تكن موجودة من قبل، وقد ظهرت هذه السلالة أول ما ظهرت في بريطانيا، وهي سلالة جديدة أسرع انتشارًا من السلالة القديمة ولديها قدرة أكبر على اختراق الغشاء المخاطي للأنف، وتصيب الأطفال والشباب بنسب أكثر من السلالة القديمة، حتى إنها صارت مسئولة عن 60% من الإصابات الجديدة في العاصمة لندن، وهي ما زالت خارج السيطرة حتى الآن؛ مما تسبب في حدوث حالة من القلق الشديد في أوروبا والعالم.
ومما زاد الأمر خوفًا ما أشارت إليه صحيفة (التليجراف) البريطانية في تقرير لها في النصف الثاني من شهر ديسمبر 2020 م أن بداية ظهور السلالة كان في شهر سبتمبر الماضي بجنوب شرق إنجلترا، وخلال شهرين تسببت في زيادة الإصابة بنسبة 28 % من الحالات المسجلة في بريطانيا التي تكتمت وتأخرت في الإعلان عن هذه السلالة رغم علمها به.
وكما حدث مع الصين في بداية الموجة الأولى كان الأمر مع بريطانيا؛ إذ سارعت الكثير من دول العالم داخل وخارج أوروبا إلى تعليق رحلات شركات الطيران مع بريطانيا، منها: النرويج، وهولندا، وبولندا، وبلجيكا، وفرنسا، وألمانيا، وإسبانيا، والسويد، وإيطاليا، وتركيا، والدنمارك، والتشيك، وبلغاريا، وليتوانيا، ولاتفيا، وإستونيا؛ بالإضافة إلى الهند.
ولم يسلم الأمر من الانتشار؛ إذ سرعان ما ظهرت السلالة الجديدة في بعض الدول الأوروبية الأخرى المجاورة لبريطانيا، بل وظهرت في جنوب إفريقيا ثم نيجريا، فقد (أكدت منظمة الصحة العالمية: أنه تم رصد السلالة الجديدة لفيروس كورونا في 8 دول بأوروبا، داعية إلى تشديد الإجراءات الوقائية الضرورية. وقال مدير المكتب الأوروبي للمنظمة (هانس كلوجي) عبر (تويتر): أن السلالة الجديدة على خلاف السلالات السابقة تنتشر بين الفئات العمرية الأصغر، أي: الأطفال والشباب.
وأكَّدت دراسة أجراها مركز النمذجة الرياضية للأمراض المعدية في كلية لندن للصحة والطب الاستوائي: أن السلالة المتحورة معدية أكثر من السلالات الأخرى بنسبة 56%، لكن لا دليل على أنها أكثر فتكًا من السلالات الأخرى. ومع ذلك توقع العلماء: أن تكون حصيلة الوفيات في عام 2021 م أعلى من عام 2020 م بسبب السلالة الجديدة) (راجع في ذلك: جريدة المصري اليوم عدد الأحد 27 ديسمبر 2020 م، ص 5) .
وقد بدأت حملات التطعيم يوم الأحد 27 ديسمبر (في جميع دول الاتحاد الأوروبي الـ 27 بعد ما أقرت الجهات المنظمة لقاح (فايزر - بايونتيك) في 21 ديسمبر. وحذَّر مدير منظمة الصحة العالمية (تيدروس أدهانوم جيبرييسوس): مِن أن اللقاحات توفِّر مخرجًا للعالم من هذه المأساة، لكن تطعيم العالم بأسره سيستغرق وقتًا) (المصدر السابق) .
تحور الفيروسات:
مِن خصائص الفيروسات: قدرتها على التحور، في محاولة منها لإطالة عمرها، وهذا التحور قد يزيدها شراسة وقوة أو قد يضعفها. ومِن تجارب اللقاحات السابقة لأمراض أخرى سابقة؛ فإن اللقاح المخصص لفيروس يمكنه غالبًا التغلب على الفيروس المحور؛ وإلا فيمكن تصنيع لقاح جديد فعَّال ضد الفيروس المحور في غضون فترة قصيرة، ومن أشهر الصور على ذلك: لقاح فيروس الأنفلونزا الذي يتحور كل عام مما يتطلب قيام شركات الأدوية بإعداد لقاح جديد كل عام يتناسب مع فيروس العام الحالي.
الظاهرة الثانية: ظهور بشائر الوصول إلى إنتاج لقاحات من بعض شركات الأدوية الكبرى بإعلانها عن إنتاج لقاحات مضادة لفيروس كورونا المستجد. وقد سارعت الدول الكبرى بحجز الدفعات الأولى من اللقاحات التي حصلت على ترخيص مؤقت (ترخيص طوارئ) لتطعيم مواطنيها، في الوقت التي انفردت الولايات المتحدة الأمريكي بأولوية تطعيم الأمريكيين على غيرهم من اللقاح الأمريكي المعلن عن الوصول إليه.
وتستخدم اللقاحات للوقاية من الأمراض المعدية منذ عقود، ويطعم بها ملايين من البشر بأمان؛ لأن اللقاحات على غرار الأدوية لا تستخدم قبل الخضوع قبل التعميم لاختبارات مكثفة وصارمة؛ لضمان الصلاحية ودرجة الأمان قبل إدراجه في أي برنامج تطعيم في بلدٍ ما، فيجب أن يخضع كل لقاح قيد التطوير في المقام الأول لعمليات فحص وتقييم قبل المرحلة السريرية دون أي اختبار على إنسان، حيث يختبر اللقاح التجريبي أولًا على الحيوانات لتقييم مأمونيته وقدرته على الوقاية من المرض.
فإذا بلغ اللقاح الاستجابة المناعية المنشودة؛ فإنه يُختبر في إطار تجارب سريرية بشرية على ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: فيها يُعْطَى اللقاح لعددٍ صغيرٍ مِن المتطوعين لتقييمه وتحديد جرعته المناسبة، وتختبر اللقاحات في هذه المرحلة على متطوعين من الشباب البالغين والمتمتعين بصحة جيدة.