الفساد (85) منظفات صناعية ضارة
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمفهوم الفساد أوسع من الاقتصار على صور الفساد الإداري المتمثِّل في تقديم الرشوة والهدايا للمسئولين، أو اهمال وتقاعس المسئولين عن واجباتهم، ونحو ذلك؛ فالمفهوم الواسع للفساد يعم كل ما فيه تقديم المصلحة أو المنفعة الشخصية على كل ما يؤدي إلى الإضرار العام بالمجتمع، بل يشمل كذلك كل إهمال وتقصير في المراقبة أو المحاسبة يؤدي إلى تضييع حقوق عامة، أو يؤدي إلى الوقوع في أضرار عامة، ويدخل فيه وضع قوانين وتشريعات ونُظُم تحقق مصالح فئة على حساب مصالح المجموع.
وعلى ذلك فالمتاجرة فيما فيه إضرار بصحة الناس من أجل كسب شخصي هو من صور الفساد في المجتمع، ومن ذلك ما نراه في الأسواق من انتشار عرض وبيع وتداول واستعمال أصناف كثيرة من المنظفات السائلة والصلبة الضارة على صحة المستهلكين لها.
ففي كثير من المناطق -خاصة في المناطق الشعبية والعشوائية- يتم بيع أصناف كثيرة من المنظفات السائلة غير مطابقة للمواصفات الصحية، وهي بهذا يحظر صحيًّا وعلميّا استعمالها؛ لما تسببه -سواء على المدى القريب أو على المدى البعيد- من العديد من الأضرار الصحية، بل والأمراض الخطيرة التي يمكن أن تصيب الجلد أو الصدر أو الكلى.
كما أنه يتم تصنيع أنواع من (صابون المواعين) من مواد كيماوية ضارة، ويتم بيعها للجمهور، حيث يستخدم بكثرة في المنازل في الأماكن الشعبية والعشوائية.
ويقوم تصنيع تلك المنظفات على العديد من المواد الكيماوية، منها: حامض السالفونيك، والسليكات، والصودا الكاوية، والتكسابون والتايلوز، وسلفات الماغنسيوم، وملح طعام -أو سلفات الماغنسيوم-؛ بالإضافة إلى ألوان وروائح؛ يتم ذلك على مرأى من الجميع، يشارك فيه الباعة والمشترون، وتشارك فيه الدولة بتقصيرها في القيام بدورها في المراقبة والمحاسبة للباعة، وبتقصيرها في توعية أفراد المجتمع التوعية الكافية بأضرار تلك المنظفات الصناعية، ولا يتم الكشف على هذه المنتجات الصناعية بالدرجة المطلوبة، والتأكد من توافر الحد الأدنى من الشروط والمواصفات الظاهرة وعلامات السلامة المهنية في حدودها المقبولة.
وهناك مصانع كثيرة تقوم على إنتاج المنظفات الصناعية، وغالبها مصانع من تكوين عائلات معروفة تتوارث إنتاج هذه المنظفات في الكثير من محافظات الجمهورية، ومنها مصانع غير مرخصة، وبالتالي: غير قانونية رغم شهرتها؛ إذ منها ما هو معلوم الاسم والعنوان، ويقبل على منتجاتها من الصابون السائل، وصابون المواعين، ومبيض الملابس، ومنظف السجاد، والمطهرات المنزلية، ومعطر الأرضيات، ومعطر الملابس، وربما تعاملت معها الكثير من فنادق الدرجة الثالثة والمطاعم وبعض المستشفيات.
ونظرا لخطورة المواد المستخدمة في تصنيع هذه المنتجات؛ فإنه لا بد من استيفاء التراخيص اللازمة للسماح بذلك، والتي يشترط للحصول عليها سلامة عملية التصنيع، ولا بد من ترخيص لمزاولة هذه المهنة، وما يتطلبه ذلك من وجود سجل تجاري للمصنع، وموافقة الهيئات الصناعية، وصلاحية المكان وسلامة الآلات الخاصة بصناعة هذه المنظفات بأنواعها المختلفة.
وللأسف فهناك مَن يدخل مجال هذا العمل بصورة فردية من خلال قيامه بنفسه وفي حدود خبرته الشخصية بتصنيع هذه المنظفات بما يراه ويعرفه من مواد خام في هيئة سائل أو بودرة متداولة يتم بيعها بحرية في أماكن معروفة ومتاجر يسهل الوصول إليها والتعامل معها، مكتفيًا بإمكانيات مادية ضعيفة وإنتاج قليل، ومع النجاح في ترويج بضاعته يتوسع فيها بلا ضوابط أو قيود إلا رخص الثمن وتوافر المنتج، فيصير له محلات ومخازن، يبيع مِن خلالها المنظفات جملة وقطاعي بلا رقابة أو حساب لسنوات طويلة، وربما ورث هذه الصنعة لأبنائه من بعده على نفس المنهج والمنوال؛ إذ صار له زبائن معروفين على مر السنين، وهو طوال السنين التي قضاها في هذه المهنة لا يفكر في تقنين أوضاعه؛ متعللًا بصعوبة إنشاء مصنع معتمد وتقنين نشاطه، محتجًا بجودة إنتاجه بدليل إقبال المشترين عليها، أي/ يكفي عنده شهادة المستهلكين لها وإقبالهم عليها!
والحقيقة المرة: أن الإقبال عليها لا لجودتها، ولكن لرخص أسعارها؛ رغم ما قد تتسبب فيه من أضرار تحدثها على المدى البعيد من الكميات الضخمة المنتجة منها؛ خاصة مع إفراط ربات البيوت في استخدام هذه النوعيات من المنظفات، تشهد بذلك عيادات الأطباء التي يتردد عليها الكثير من النساء وعمال وعاملات التنظيف يعانون من أمراض وحساسية بالجلد، وأمراض تنفسية وصدرية بالتعرض المباشر لهذه المنظفات، كما أن مع تكرار استخدام هذه المنظفات الضارة يؤدي إلى تسرب بقايا حبيبات ضارة موجودة على -أواني الطبخ حتى بعد تنظيفها وغسلها، وهي حبيبات لا ترى بالعين المجردة، وقد ندخل جسم الإنسان مع تناول الأطعمة الموضوعة أو المطهية فيها، كما أنها قد يمتصها الجلد لتدخل إلى داخل الجسم عن طريق مسام الجلد فتصل إلى الكبد والكلى وتؤدي في النهاية إلى الفشل الكلوي أو الكبدي، كما تتسبب الأملاح الموجودة في هذه المنظفات في تكوين حصوات في الكلى، وتؤدي إلى الفشل الكلوي والإصابة بالسرطان.
ولا شك أن السلامة والنجاة من كل تلك الأضرار والأمراض يستلزم استخدام منظفات من مصادر موثوق فيها، أي من مصانع وشركات معتمدة ومرخصة تخضع للرقابة وتلتزم بالمواصفات والشروط الفنية والصحية المعتبرة في المنظفات الصناعية.
مواصفات المنظفات الصناعية:
نظرًا لخطورة بعض المواد الكيماوية على صحة الإنسان سواء عن طريق الملامسة المباشرة للجلد أو الاستنشاق بالصدر أو الدخول للجهاز الهضمي مع الأكل والشرب، فإن صناعة المنظفات للاستخدام في تنظيف الأواني والأدوات التي تستخدم بعد ذلك في الأكل والشرب في البيوت والمطاعم والفنادق والمستشفيات وغيرها، تحتاج إلى مواصفات فنية خاصة تضمن حفظ المستخدم من أضرارٍ قد تحدث من هذه المنظفات التي تستخدم بصفة يومية.