شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الإسلام والتنمية الزراعية (4)

وائل عبد القادر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فما زال حديثنا موصولًا حول الإسلام والتنمية الزراعية.

رابعًا: الحث على إعارة الأرض لمن يزرعها إذا لم يُرد صاحبها ذلك أو عجز عنه:

فالشريعة تتشوَّف إلى إعمار الأرض ونمائها واستثمارها لمنافع العباد، وتكره تعطيل القدرات والطاقات والموارد بلا استفادة منها؛ لذا ندب أصحاب الأراضي الذين لا يرغبون في زراعتها أو عجزوا عن ذلك، أن يعطوها لغيرهم للاستفادة بزراعتها والانتفاع بها، فأرشد صاحبها إلى إعارتها، وعدم إجارتها، ففي صحيح مسلم عن جابر -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْض فَلْيَزْرَعْهَا فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَزْرَعهَا وَعَجَزَ عَنْهَا فَلْيَمْنَحْهَا أَخَاهُ الْمُسْلِم وَلَا يُؤَاجِرهَا إِيَّاهُ )، وَفِي رِوَايَة: ( مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْض فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيُزْرِعهَا أَخَاهُ وَلَا يُكِرْهَا ).

والكراء هو الإجارة، والنهي عنه في هذين الحديثين وغيرهما ليس على إطلاقه، وإنما هو متأوّل عند العلماء بتأولين ذكرهما الإمام النووي في شرح مسلم فقال: "وَتَأَوَّلُوا أَحَادِيث النَّهْي تَأْوِيلَيْنِ: أَحَدهمَا: حَمْلهَا عَلَى إِجَارَتهَا بِمَا عَلَى الْمَاذِيَانَات أَوْ بِزَرْعِ قِطْعَة مُعَيَّنَة أَوْ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُع وَنَحْو ذَلِكَ كَمَا فَسَّرَهُ الرُّوَاة فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث الَّتِي ذَكَرْنَاهَا. وَالثَّانِي: حَمْلهَا عَلَى كَرَاهَة التَّنْزِيه وَالْإِرْشَاد إِلَى إِعَارَتهَا كَمَا نَهَى عَنْ بَيْع الْغَرَر نَهْي تَنْزِيه بَلْ يَتَوَاهَبُونَهُ وَنَحْو ذَلِكَ. وَهَذَانِ التَّأْوِيلَانِ لَا بُدّ مِنْهَا أَوْ مِنْ أَحَدهمَا لِلْجَمْعِ بَيْن الْأَحَادِيث. وَقَدْ أَشَارَ إِلَى هَذَا التَّأْوِيل الثَّانِي الْبُخَارِيّ وَغَيْره، وَمَعْنَاهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَاَللَّه أَعْلَم".

وقال النووي -رحمه الله-: "أَمَّا (الْمَاذِيَانَات)... هِيَ مَسَايِل الْمِيَاه. وَقِيلَ: مَا يَنْبُت عَلَى حَافَّتَيْ مَسِيل الْمَاء. وَقِيلَ: مَا يَنْبُت حَوْل السَّوَاقِي. وَهِيَ لَفْظَة مُعَرَّبَة لَيْسَتْ عَرَبِيَّة".

وفى رواية لابن عباس -رضي الله عنهما- عند مسلم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( لَأَنْ يَمْنَحَ الرَّجُلُ أَخَاهُ أَرْضَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا خَرْجًا مَعْلُومًا ).

وقال الصنعاني في سبل السلام: "قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَدْ عَقَلَ الْمَعْنَى ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ تَحْرِيمَ الْمُزَارَعَةِ بِشَطْرِ مَا تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِذَلِكَ أَنْ يَتَمَانَحُوا وَأَنْ يَرْفُقَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ".

خامسًا: إحياء الأرض الموات:

مِن أفضل الأعمال التي حَثَّ عليها الإسلام، ورغَّب فيها، ووعد فاعلها بأفضل المثوبة: استصلاح الأراضي البور؛ لما فيه مِن توسيع الرقعة الزراعية، وزيادة مصادر الإنتاج، وكثرة الأيدي العاملة المنتجة، وقد عُرِف هذا الأمر في الفقه الإسلامي بعنوان معبِّر وسديد وهو: "إحياء الموات" أي: إحياء الأرض الميتة، ففي صحيح البخاري عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- عَنْ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال: ( مَنْ أَعْمَرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ ) قَالَ عُرْوَةُ قَضَى بِهِ عُمَرُ فِي خِلَافَتِهِ".

قال ابن حجر -رحمه الله- في الفتح: "فَالْمُرَاد مَنْ أَعْمَرَ أَرْضًا بِالْإِحْيَاءِ فَهُوَ أَحَقّ بِهِ مِنْ غَيْره".

وقد بوَّب البخاري -رحمه الله- لهذا الحديث بقوله: "بَاب مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا".

قال ابن حجر -رحمه الله- في الفتح مبينًا أحكام إحياء الموات ما نصه: "قَوْله: (بَاب مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا) بِفَتْحِ الْمِيم وَالْوَاو الْخَفِيفَة؛ قَالَ الْقَزَّاز: الْمَوَات: الْأَرْض الَّتِي لَمْ تُعْمَر، شُبِّهَتْ الْعِمَارَة بِالْحَيَاةِ وَتَعْطِيلهَا بِفَقْدِ الْحَيَاة، وَإِحْيَاء الْمَوَات أَنْ يَعْمِد الشَّخْص لِأَرْضٍ لَا يَعْلَم تَقَدُّم مَالِكٍ عَلَيْهَا لِأَحَدٍ فَيُحْيِيهَا بِالسَّقْيِ أَوْ الزَّرْع أَوْ الْغَرْس أَوْ الْبِنَاء فَتَصِير بِذَلِكَ مِلْكه سَوَاء كَانَتْ فِيمَا قَرُبَ مِنْ الْعُمْرَانِ أَمْ بَعُد، سَوَاء أَذِنَ لَهُ الْإِمَام فِي ذَلِكَ أُمْ لِمْ يَأْذَن، وَهَذَا قَوْل الْجُمْهُور".

ويكون إحياء الأرض بما يناسب إحيائها مِن الوسائل والتغلب على الأسباب التي جعلتها مواتًا؛ قال الشيخ محمد أبو زهرة -رحمه الله-: "وإحياء الأرض الموات جَعلُها صالحة للزراعة بإزالة السبب الذي جعلها غير صالحة، فإن كان مواتها بسبب غَمْر المياه لها؛ فإحياؤها بإقامة السدود، وإن كان بسبب قلة المياه أو عدم انتظامها فإحياؤها بإجراء المياه لها، وحفر الآبار ووضع الآلات الرافعة، وإن كانت غير مستوية سوِّيت، وإن كانت الأرض غير طيبة بأن كانت لا تنبت زرعًا فإحياؤها بتسميدها، وإضافة المواد التي تخصبها وهكذا".

ويُبرز -رحمه الله- دور إحياء الموات في التنمية فيقول: "إننا نرى في فتح باب الإحياء فتحًا لباب العمارة في الأرض، وتنميةً للثروة، وتعاونًا اجتماعيًّا، وخصوصًا أن ما يُنتج مِن زرع أو غِراس تجري فيه المقاسمة التي تُقيم بناء الدولة وتَضمن التكافل الاجتماعي، أو تَجري فيه زكاة الزروع والثمار، وهي أيضًا في معنى المقاسمة وإن كانت أقل في المقدار من الخَراج، وهي حق الفقير، وحق المدين، وحق ابن السبيل، وحق المجاهد، وقد قرر الفقهاء أن وجوبها في الزرع وجوب مقاسمة فهي بمقدار ما تخرجه الأرض إن سُقيت بغير آلة، وبمقدار نصف العشر إن سُقيت بآلة، وبذلك يكون بيت مال الزكاة شريكًا لمن أخرج الزرع أو تَعهد الغراس" (التكافل الاجتماعي في الإسلام) .

كما لا يخفى ما لإحياء الأرض من دورٍ في التنمية بتحفيز الأفراد على العمل، والقضاء على البطالة باستغلال الطاقات المعطلة في عملية إحياء الأرض واستصلاحها، والحصول على ثمارها، وكذلك زيادة رقعة الأرض المنتجة، وتوسيع قاعدة الملكية بين الأفراد.

الصفحة التالية