شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الإسلام والتنمية الزراعية (4)

وائل عبد القادر • قضايا معاصرة

سادسًا: إقطاع الإمام الأرض لبعض الرعية:

كان مِن سياسة النبي -صلى الله عليه وسلم- وخلفائه الراشدين الإقطاع مِن الأراضي البور لبعض الرجال الذين أدوا خدمات جادة للدولة الإسلامية، فهي مكافأة لهم من جهة، وتشجيعًا على استصلاحها وعمرانها من جهة أخرى.

فللإمام أن يُقطِع من رعيته ما شاء مِن الموات لمن يُحيّيه، أي لمصلحة إحيائه، ودليل ذلك ما ثبت عن أسماء أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أقطع الزبير بن العوام نخلًا (أخرجه أبو داود، وصححه الألباني) .

ويشهد لهذا رواية البخاري عن أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنهما- قالت: " كُنْتُ أَنْقُلُ النَّوَى مِنْ أَرْضِ الزُّبَيْرِ الَّتِي أَقْطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى رَأْسِي، وَهِيَ مِنِّي عَلَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ".

وعن علقمة بن وائل عن أبيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أقطعه أرضًا في حضرموت، لكن لا يملكه بالإقطاع، بل يملكه بالإحياء، فإذا أقطعه أرضًا للسكن أو للزراعة، أو للغراس، فلا يملكها إلا بالبناء إن كانت للسكن أو بالزراعة إن كانت للزراعة أو بالغراس إن كانت للغراس، فهو أحق بها، لكن لا يملكها إلا بإحيائها، ودليل ذلك ما ثبت عند البيهقي أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أخذ من بلال بن الحارث ما عجز عن عمارته مما أقطعه النبي -صلى الله عليه وسلم- فقد أقطع النبي -صلى الله عليه وسلم- بلال بن الحارث المعادن القبليّة، فلما ولي عمر نزع عنه ما عجز عن عمارته، ولو كان يملكها بالإقطاع لما نزعها منه، هذا هو مذهب الجمهور فلا يملكها بالإقطاع، بل هو أحق بها، أي: بأن يسبق غيره في غرسها أو زراعتها أو بنايتها، وحينئذٍ إن لم يحيّها؛ فإن الإمام يمهله زمنًا يتمكن بمثله من إحيائها، وإلا فإنه ينزعها منه" (شرح كتاب زاد المستقنع في اختصار المقنع الشيخ حمد بن عبد الله الحمد) .

قال الإمام أبو يوسف -رحمه الله- في كتابه الخراج: "ولا أرى أن يترك الإمام أرضًا لا ملك لأحد ولا عمارة حتى يُقطعها، فإن ذلك أعمر للبلاد وأكثر للخراج. كما لا يُقطع الإمام أحدًا أرضًا إلا بالقدر الذي يمكنه إحياؤه، قال بن قدامة في المغني: "وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْطَع الْإِمَامُ أَحَدًا مِنْ الْمَوَاتِ، إلَّا مَا يُمْكِنُهُ إحْيَاؤُهُ؛ لِأَنَّ فِي إقْطَاعِهِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ تَضْيِيقًا عَلَى النَّاسِ فِي حَقٍّ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمْ، بِمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ. فَإِنْ فَعَلَ، ثُمَّ تَبَيَّنَ عَجْزُهُ عَنْ إحْيَائِهِ، اسْتَرْجَعَهُ مِنْهُ، كَمَا اسْتَرْجَعَ عُمَرُ مِنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ مَا عَجَزَ عَنْهُ مِنْ عِمَارَتِهِ مِنْ الْعَقِيقِ، الَّذِي أَقْطَعَهُ إيَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-".

والحمد لله رب العالمين.

الصفحة السابقة