شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (87) فوضى المقابر وانتهاك حرمة الموتى (1-2)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمِن الصور العامة للمعنى الواسع للفساد -والتي ينبغي الانتباه إليها-: تقديم البعض المصلحة أو المنفعة الشخصية على حساب الآخرين، وحقوقهم وكرامتهم، وحرمتهم الشخصية، وكذلك الاستهانة والاستخفاف، وعدم الاهتمام بمراعاة هذه الحقوق، والكرامة والحرمة!

وهذا ما نراه كثيرًا في المقابر من خلال مظاهر التجرؤ على انتهاك حرمة الموتى فيها، حتى تحولت المقابر في كل أنحاء مصر إلى أماكن تجارة و(بيزنس) لأقوام، ولسكن عشوائي لآخرين، ومأوى للمجرمين، وغرز لمتعاطي المخدرات، ومناطق رائجة لكثير من المتسولين، بل وسوق لآخرين، وكأن هذه المقابر لا حرمة لها وليس لها مسئولين عن حفظها، وصيانتها وتنظيمها!

وللتعرف على مدى ما وصلت إليه السلبيات والمفاسد داخل وحول المقابر والمدافن، وإدراك حجم المأساة؛ فينبغي أن نتعرف -ولو بإيجاز- على بعضٍ مما جات به الشريعة الإسلامية مِن أحكام في هذا الشأن، وهي أحكام سبقت بها شريعتنا كل الأمم في مراعاة حرمة الموتى وكرامتهم، وجعلتها حقوقًا لهم لا يجوز التهاون فيها والانتقاص منها.

ومِن هذه الأحكام:

- وجوب تغسيل الميت وتكفينه بما يستر جميع بدنه، والصلاة على جنازته في جماعة، ونقله للدفن في مقابر المسلمين. وكل هذه الحقوق للميت هي في الإسلام مِن فروض الكفايات التي ينبغي أن يبادر إليها أقرباء الميت وغيرهم، فإن قام بها البعض نالوا الأجر والثواب من عند الله -تعالى- على ذلك، وسقط بفعلهم هذا الإثم عن الجميع، وإن لم يقم به أحد من أقرباء الميت أو غيرهم أثِم الجميع، ممن علموا بالأمر وكان يمكنهم القيام به، أو كان يمكنهم دلالة غيرهم ممن يقدر عليه للقيام به حال عجزهم عنه.

وهذه الأحكام -كما هو واضح- غاية في الاعتناء بالميت وتكريمه والإحسان إليه، يقوم بها أقرباؤه أو غيرهم، وهو في الإسلام حق له لا يجوز التغاضي عنه أو التقصير فيه، فلا يليق بالميت أن يُترك ملقى أو مهملًا يتحلل جسده أو يتعفن بعد الموت، وهو ظاهر مكشوف أمام أعين الجميع بلا دفن! بل ربما تتعرض له الحيوانات والطيور والقوارض في البيوت أو الطرقات، وتؤذي رائحته الأنوف وبقايا رفاته الأعين لمن يعيشون على ظاهر الأرض حوله.

والحكمة من ذلك ظاهرة: في تغسيل بدن الميت وتنظيفه، وستر بدنه كله بالكفن، والصلاة عليه والدعاء له، ثم دفنه في باطن الأرض حيث تتحلل رفاته بصورة طبيعية مصانة محفوظة له، ولأهله كذلك بصيانة كرامتهم، وكرامة وحرمة ميتهم؛ فكرامة أهل الميت من كرامتهم، وهو أمر يحرص عليه بالفعل كل أقرباء وأحباء وأصدقاء أي ميت في كل زمان ومكان.

- النهي شرعًا عن كل ما لا يليق بالأحياء فعله بحق ميتهم، وهو ما لا يعود على الميت بالنفع؛ مِن النياحة على الميت، ولطم وضرب الخدود، وتمزيق الثياب، وشق الجيوب.

- أما القبر: فيسن أن يرفع عن الأرض قليلًا نحو شبر، ولا يسوى بالأرض، وذلك ليتميز فيصان ولا يهان. ويجوز أن يسنم، أو يعلَّم بحجر ونحوه؛ ليعرف، فيُزار ولا يهجر، ويدفن فيه مِن بعد الميت مَن مات مِن أهله.

- شَرَع الشَّرع زيارة القبور لغرضين محمودين:

أ- للاتعاظ بها وتذكر الآخرة.

ب- نفع الميت بالسلام عليه والدعاء والاستغفار له.

هذا شريطة أن لا يقول الزائر عندها ما يغضب الرب: كدعاء الموتى، أو اللطم و النياحة.

ومما ينبغي على صانعي القبور وزائريها مراعاته:

- عدم البناء على القبور وتزيينها: ففي الحديث أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ". (رواه مسلم) . والتجصيص: من الجص وهو الكلس، والمراد الطلي به. قال الألباني: "ولعل النهي عن التجصيص من أجل أنه نوع من الزينة".

ولا بأس بالبناء على القبر للمحافظة عليه، وعلى بقائه مرفوعًا بقدر ما يسمح به الشرع، وهو قدر شبر، فلا تطمسه أو تبعثره أو تنسفه رياح أو أمطار ونحوها.

وفي الحديث عن أبي الهياج الأسدي قال: "قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ" (رواه مسلم) .

قال الشوكاني -رحمه الله-: "فيه أن السُّنة أن القبر لا يرفع رفعًا كبيرًا، من غير فرق بين مَن كان فاضلًا ومَن كان غير فاضل. والظاهر: أن رفع القبور زيادة على القدر المأذون فيه محرم، وقد صرَّح بذلك أصحاب أحمد، وجماعة الشافعي، ومالك" (راجع في ذلك كتاب: أحكام الجنائز وبدعها، للألباني ط. السلفيون يتحدثون، ص 207 - 208) .

- تجنب بناء المساجد على القبور، وقد ورد النهي الشديد عن ذلك في أحاديث عديدة، منها:

- حديث عائشة -رضي الله عنها-: لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ -وَهُوَ كَذَلِكَ-: ( لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ ) يُحَذِّرُ مِثْلَ مَا صَنَعُوا. (متفق عليه) .

- حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: ( لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ ) قَالَتْ: "فَلَوْلَا ذَاكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خُشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا" (متفق عليه) .

- حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِد ) (متفق عليه) .

الصفحة التالية