شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (87) فوضى المقابر وانتهاك حرمة الموتى (1-2)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

- حديث عائشة -رضي الله عنها- عن تذاكر بعض نساء النبي -صلى الله عليه وسلم- لكنيسة بأرض الحبشة يُقال لها مارية، فذكرن من حسنها وتصاويرها، قالت عائشة: فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ أُولَئِكَ، إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكِ الصُّوَرَ، أُولَئِكِ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَة ) (متفق عليه) .

قال الألباني -رحمه الله- عن هذه الأحاديث: "وهي تدل دلالة قاطعة على أن اتخاذ القبور مساجد حرام؛ لما فيها مِن لعن المتخذين؛ ولذلك قال الفقيه الهيتمي في (الزواجر) (1/ 120 - 121) -يعني (الزواجر عن الكبائر)-: "الكبيرة الثالثة والتسعون: اتخاذ القبور مساجد" (راجع: أحكام الجنائز وبدعها، 216 - 219) .

- عدم الجلوس على القبور أو وطئها والمشي عليها: فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ، فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ ) (رواه مسلم) (المصدر السابق، ص 209 - 210) .

- خلع النعلين عند المشي بين المقابر: إذ جاء في الحديث أنه بينما النبي -صلى الله عليه وسلم- يمشي بين القبور إذا هو برجل يمشي بين القبور عليه نعلان، فقال: ( يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ، وَيْحَكَ أَلْقِ سِبْتِيَّتَيْكَ ) فَنَظَرَ الرَّجُلُ فَلَمَّا عَرَفَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، خَلَعَهُمَا فَرَمَى بِهِمَا. (رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وحسنه الألباني) .

وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: "والحديث يدل على كراهة المشي بين القبور بالنعال" (فتح الباري 3-160) .

قال الألباني -رحمه الله-: "والأقرب: أن النهي من باب احترام الموتى؛ فهو كالنهي عن الجلوس على القبر". وقال أبو داود في مسائله (ص158): "رأيت أحمد -يعني أحمد بن حنبل- إذا تبع الجنازة فقرب من المقابر خلع نعليه" (راجع كتاب: "أحكام الجنائز وبدعها"، ص 136 - 137، ص 199 - 200) .

- اتخاذ القبور أعيادًا: وذلك بقصد القبور بالزيارة في أوقاتٍ معينةٍ، ومواسم معروفة للتعبد عندها أو لغيرها، ففي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا ). قال الألباني: "أخرجه أبو داود (1/ 319)، وأحمد (2/ 367) بإسناد حسن، وهو على شرط مسلم، وهو صحيح بما له من طرق و شواهد" (راجع: أحكام الجنائز و بدعها، ص 219) .

قال ابن تيمية -رحمه الله-: "ووجه الدلالة أن قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أفضل قبر على وجه الأرض، وقد نهى عن اتخاذه عيدًا، فقبر غيره أولى بالنهي كائنًا مَن كان)، وقال: (والعيد إذا جعل اسمًا للمكان؛ فهو المكان الذي يقصد الاجتماع فيه وإتيانه للعبادة عنده أو لغير العبادة، كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة جعلها الله عيدًا مثابة للناس، يجتمعون فيها، وينتابونها للدعاء والذكر والنسك. وكان للمشركين أمكنة ينتابونها للاجتماع عندها، فلما جاء الإسلام محا الله ذلك كله. وهذا النوع من الأمكنة يدخل فيه قبور الأنبياء والصالحين) (انظر: "اقتضاء الصراط المستقيم، ص 155 - 156"، و"أحكام الجنائز وبدعها، ص 220 - 221") .

- تجنب كسر عظام الموتى: ففي الحديث المرفوع: ( إِنَّ كَسْرَ عَظْمِ الْمُؤْمِنِ مَيْتًا مِثْلُ كَسْرِ عَظْمِهِ حَيًّا ) قال الألباني: "أخرجه أبو داود (32/69)، وابن ماجه (1/ 492)، والطحاوي في المشكل (2/ 108)، وابن حبان في صحيحه (رقم 776 موارد)، وابن الجارود في المنتقى (ص 551)، والدارقطني في سننه (367)، والبيهقي (4/ 58)، وأحمد (6/8 ، 105 ، 168 ،200 ، 264) واللفظ له، وأبو نعيم في الحلية (7/ 95)، والخطيب في تاريخ بغداد (12 / 106 و13 و120) من طرق عمرة عنها. قال الألباني: "وبعض طرقه صحيح على شرط مسلم، وقواه النووي في المجموع (5 / 300)، وقال أبن القطان: (سنده حسن) كما في المرقاة (2/ 380)، وله طريقان آخران عن عائشة -رضي الله عنها-: الأول: عند أحمد (6 / 100)، والآخر عند الدارقطني (367) (راجع: أحكام الجنازة وبدعها، ص233) .

قال الحافظ في الفتح -رحمه الله-: "يستفاد منه: أن حرمة المؤمن بعد موته باقية كما كانت في حياته" ذكره في الفيض (4/ 551). (انظر: أحكام الجنائز، ص 236) .

صيانة المدافن:

صيانة القبور (التُّرَب) هي مهنة ما يعرف بـ(التُّرَبِي)، ويعد التربي من المهن التي يحيطها الغموض، على الرغم من أهميتها من الناحية الدينية؛ فإن القائمين عليها لا يحصلون على راتبٍ من الحكومة (أي: هو موظف عام بدون أجر)، رغم أنهم معينون من قِبَل الدولة لتولي شأن المدافن، ووظيفتهم تلك تعد وظيفة عامة؛ ونظرًا لأن لكل (تربي) منهم حياته الخاصة به حيث يتحمل الإنفاق على أفراد أسرته، ويحتاج إلى مصدر دائم ومستمر للرزق، فهو يعيش على ما يأتي له مِن (حسنات) مِن أهالي الموتى مقابل دفن موتاهم، أو ما يأخذه من أهل الميت خلال زياراتهم للميت ليقوم بالاهتمام بمتابعة قبر الميت، ومنع التعدي عليه.

وغالب التربية يرثون وظيفتهم تلك من آبائهم من خلال التسجيل في رابطة التربية، وذلك بعد إجراء بعض الاختبارات في المحافظة، تتمثل في معرفة بعض الأمور الشرعية في الدفن؛ بالإضافة إلى اختبار في القراءة والكتابة.

وللأسف: فمِن هؤلاء (التُّرَبيَّة) مَن يقوم بأعمال غير شرعية للحصول على الأموال مِن وراء مهنته تلك بطرق ملتوية تتم في ظلمة المقابر والمدافن حيث لا يراها أحد، ولكن يسمع عنها الكثيرون، وهي تتعلق بترميم المقابر أو التصرف في المقابر المنسية من قِبَل أصحابها ولا يسألون عنها، وهي أعمال تتم عادة من خلال منظومة من العلاقات الكبيرة بين التربية مع بعضهم البعض، ومع بعض موظفي الحكومة ممن لهم علاقات بالسجلات وبيانات المواطنين قد تصل إلى عمل عقود جديدة لبيع قبور قديمة لمشترين جدد مختومة ومستوفية الإجراءات في ظاهرها رغم كونها غير قانونية.

الصفحة السابقة الصفحة التالية