تائه في أرض الغُرْبَة!
سعيد السواح • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
قال الله -تعالى-: ( إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ) (النمل:80) .
هذا حال أكثـر الناس؛ يسير في دنياه هائمًا على وجهه متخبطًا في الطريق وفي الحياة، يسير بلا مقصدٍ أو بغية أو هدف، فاقدًا للهوية؛ فقد تاه وغاب عن المهمة التي خُلق مِن أجلها.
- كيف لك أن تُسمع الحقَ مَن طبع الله على قلبه فأماته؟!
- وكيف لك تُسمع الحق مَن أصمَّ الله سمعه عن سماع الحق؟!
- فلا يصلح للإنسان الذي كرمه الله -تعالى- ورفع شأنه بين مخلوقاته أن يعيش بلا دورٍ يؤديه، وأن يكون دورًا مؤثرًا في المجتمع الذي يعيش في أحضانه.
- لا يصلح أن تعيش عاطلًا بلا دورٍ يُذكر.
- ولا يصلح أن تعيش متطفلًا في الحياة، وأن تنتقل من مائدة إلى أخرى متسولًا.
الدنيا أرض غربة:
فلا بد أنني يومًا ما سأرحل عنها لا محالة مهما امتد وطال زمن إقامتي فيها، فالدنيا ليست بموطن للإنسان، وليست بدار قرار، وإقامة بلا حدود أو توقيت.
( وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ ) (آل عمران:185) .
وكلنا موقن ( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) (الزمر:30) ، فلا أحد على ظهر الأرض يُنكر هذه الحقيقة فلتستعد للرحيل متى نادى المنادي، فنحن جميعًا في الانتظار، في انتظار متى يُنادَى عليَّ فأجيب: ( فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ ) (محمد:18) .
( هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلْ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ ) (الأنعام:158) .
ما بعد إقرارك؟
عش في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، فالدنيا ليست لك بدارٍ تسكنه؛ إنما أنت عابر سبيل تجتاز مِن باب إلى باب.
الإسلام يرسم لك طريقك في الحياة:
- فكانت الخطوة الأولى الإلزامية: الدراسة الوافية والمتأنية للإسلام: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) (البقرة:208) .
- والخطوة الثانية: التزام الطريق والاستدامة في السير حتى اللقاء: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) (آل عمران:102) .
- فالإسلام يرسم لك ويحدد ويصور لك صورة التعامل مع الدنيا بكلمات وجيـزة؛ حتى لا تزل القدم بعد ثبوتها، كما زلَّت أقدام كثيـرة، وحتى لا ننجرف كما انجرف الكثيـر، وليستقر في داخلنا: أن الدنيا ليست بدار إقامة وخلود، ولكننا ما جئنا وأتينا إلى الدنيا إلا لمهمة واضحة فلا تنشغل عنها بغيرها.
نصيحة الأكابر للأكابر:
كَانَ ابنُ عمرَ -رضي اللَّه عنهما- يقول: "إِذَا أَمْسَيْتَ فَلا تَنْتَظِرِ الصَّباحَ، وإِذَا أَصْبَحْتَ فَلا تَنْتَظِرِ المَساءَ، وخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لمَرَضِكَ، ومِنْ حياتِك لِمَوتِكَ" (رواه البخاري) .
غنيمة لا تفوتك:
قال النبي -صلى الله عليه وسلم- مرشدًا إيانا، وناصحًا أمينًا قبل الندم والحسرة والتأسف: ( اغْتَنِمْ خَمْساً قبْلَ خَمْسٍ: حَياتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وفَراغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وشَبابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وغِناكَ قَبْلَ فَقْرِكَ ) (رواه الحاكم، وصححه الألباني).
في أرض الغربة أحتاج إلى دليل ملازم لا يفارقني ولا أفارقه، دليل ومرشد يرشدني في أرض الضلالة؛ فليكن دليلك القرآن فلتقبض عليه بكلتا يديك، بل وعض عليه بالنواجذ.
انتبه!
- الغفلة داء مهلك لدنيا الإنسان ودينه.
- اقرأ في دليلك (القرآن) حال الغافلين حين يعاينون الموقف: ( إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ . أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) (يونس:7-8) .
- واقرأ في دليلك (القرآن) سبب ورود أهل النار النار: ( وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ ) (الأعراف:179) .
- واقرأ في دليلك (القرآن) كيف يصرف الله أهل الغفلة عن الحق فلا يرونه مع وضوحه وإشراقه: ( قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ . وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ . سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ) (الأعراف:144-146) .
البهائم تعرف لماذا خُلقت؟
كان رجلًا قد ركب على ظهر بقرة، فالتفتت إليه وقالت: ( إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذَا، إِنَّمَا خُلِقْنَا لِلْحَرْثِ ) (رواه البخاري) ، أرأيت كيف لم تغفل عما خُلقت مِن أجله، ولم تنشغل بغير المهمة.