شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (88) فوضى المقابر وانتهاك حرمة الموتى (2-2)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فترتبط نظرة الإنسان إلى الموت والموتى بعقيدته المتعلقة باليوم الآخِر، ومن هنا؛ فإن المسلم يستمد نظرته إلى الموت مِن خلال الإيمان باليوم الآخر كما ورد في الكتاب والسُّنة، وفي ضوء أحكام الشريعة الإسلامية المتعلقة بذلك.

فالحياة تمر عند المسلم بثلاث مراحل:

- حياة الإنسان الدنيوية على ظهر الأرض: مِن ميلاده إلى وفاته، وهي الحياة التي نعرفها ونعيشها وتعودنا عليها، وصبغنا فكرنا وفهمنا وتصوراتنا بها، فهي ليست غريبة علينا.

- حياة الإنسان في القبر في باطن الأرض: من بعد دفنه بعد الموت إلى بعثه يوم القيامة للحساب والجزاء، وهي حياة لها مواصفات أخرى تختلف تمامًا عن مقاييسنا في الدنيا، فقد نظن أن الميت في سكون دائم، لا يتعرض لأي أحداث، وقد نظن أنه إن تحلل وصار ترابًا فقد انتهى وصار أشبه بالعدم، والحقيقة غير ذلك؛ إذ إن في القبر حياة أخرى أخبرنا الشرع ببعض مواصفاتها مما لا نستطيع إدراكها بعقولنا، أو رؤيتها بعيوننا، أو سماعها بأذاننا؛ ففي الحديث المرفوع: ( لَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ) (رواه مسلم) .

والميت يأتيه ملكان فيسألانه، والقبر قد يكون روضة مِن رياض الجنة ينعم فيها الميت، وقد تكون حفرة مِن حفر النيران -والعياذ بالله- يعذَّب فيها الميت، فالقبر مدخل للآخرة وجزء منها، بل هو بدايتها، فليس القبر بالمثوى الأخير للإنسان، لكن القبر برزخ يمر بعده الإنسان إلى حياته الأخرى التي هي حياته الأبدية.

حياة الإنسان الأبدية في الجنة أو النار: وهي حياة أيضًا ليست كحياتنا في الدنيا؛ إذ لها مواصفات أخرى فوق ما قدرات تصورنا، ففي الجنة ما لا عين رأت، ولا خطر على قلب بشر، وفي النار عذاب دائم لا يطاق يعرض مَن يتعرض له إلى الموت، ولكن لا يموت به، فيأتيه الموت مع العذاب مِن كل مكان، ولو كان في الدنيا لمات به، لكنه في الحياة الآخرة لا يموت به؛ فهي حياة لا يموت فيها المرء ولا يحيا، قال الله -تعالى-: ( لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا ) (فاطر:36) ، وقال -تعالى-: ( وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى . الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى . ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى ) (الأعلى:11-13) . والمراد بيان اختلاف حياة الإنسان على ظهر الأرض، وحياته بعد الدفن في باطن الأرض، وحياته بعد البعث في الجنة أو النار، ولا تقاس حياة منها على أخرى، فلكل منها خصوصياتها الخاصة بها، وما غاب عنا منها وورد الشرع به نؤمن به ونعمل بمقتضاه، وندع التفكر في كيفيته إلى أن نلقاه.

ومِن خلال الإيمان باليوم الآخر وأهمية هذا الإيمان، فإن هناك أمورًا لها رهبة -أو ينبغي أن تكون لها رهبة- في حياة المسلم، بل هي تميز المسلم عن غير المسلم في النظرة لها، فمنها:

- رهبة لحظة الموت: فهو مدخل لمنازل الآخرة، قال الله -تعالى-: ( وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ) (الأنعام:93) ، وفي الحديث المرفوع: ( إِذَا وُضِعَتِ الجِنَازَةُ، فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِي، قَدِّمُونِي، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا، أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا؟ يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهَا الإِنْسَانُ لَصَعِقَ ) (رواه البخاري) .

وفي الحديث أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مَرَّت به جنازة فقام -أي: وقف لها-، فقيل له: إنها جنازة يهودي، فقال: ( أَلَيْسَتْ نَفْسًا ) (متفق عليه) ، وفي رواية عند البيهقي: ( إِنَّ الْمَوْتَ فَزَعٌ )، وكذا لمسلم من وجه آخر.

قال الشوكاني -رحمه الله-: "قال القرطبي: معناه: أن الموت يفزع. قال البيضاوي: وهو مصدر جرى مجرى الوصف للمبالغة أو فيه تقدير، أي: الموت ذو فزع، ويؤيد ذلك: ما رواه ابن ماجه عن أبي هريرة بلفظ: ( إِنَّ لِلْمَوْتِ فَزَعًا ). واختلاف العلماء في حكم القيام للجنازة: هل هو واجب أم منسوخ أم مندوب لا ينافي بقاء حكمة ذلك، وهو تذكر الموت وفزعه.

- رهبة القبر: ففيه حياة البرزخية، لا تخلو مِن نعيم أو عذاب وإن كان بكيفية لا نعرفها، قال -تعالى-: ( وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ . النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا )، أي: في القبر ( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ) (غافر:45-46) . وفي الحديث المرفوع: ( إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ) (متفق عليه) .

- احترام الموتى: فهم ليسوا جمادًا ولا أصنامًا، وهم ينعمون أو يعذبون، لكنهم في حياة لا ندرك حقيقتها إلا في حدود ما أخبرنا الشرع به؛ ولهذا فمما لا يليق في التعامل مع المقابر: ترك الميت فلا يدفن، أو أن ينبش قبره بعد الدفن بلا حاجة معتبرة تستدعي ذلك، أو أن يكسر عظمه أو يهتك ستره أو يسرق كفنه.

دعاء الموتى والتبرك بهم:

الصفحة التالية