الفساد (88) فوضى المقابر وانتهاك حرمة الموتى (2-2)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
مِن أشنع المخالفات عند القبور ما يفعله كثير من العوام والمتصوفة مِن توجيه العبادات لأصحاب القبور ممن يظنون فيهم الولاية والصلاح، حيث يكثر هؤلاء مِن التردد على أضرحة الصالحين والأولياء وعلى المساجد المقامة على أضرحتهم في مواسم وموالد وأزمنة لكل منها، وفي غيرها، حيث يتوجهون لهذه القبور بالدعاء والتوسل الشركي بهم والنذر والذبح لهم، والتبرك بالأضرحة والقباب والمشاهد، وهم في ذلك كله يعتقدون في قدرة هؤلاء الموتى على جلب النفع لهم، وتحقيق مطالبهم، وإشفاء مريضهم، ودفع الضر عنهم، ونحو ذلك مما لا يملكه إلا الله -تعالى- وحده، وكل هذه أمور تعبدية لا يجوز صرفها لغير الله -سبحاته-؛ فهو المستحق للعبادة وحده دون سواه، وفاعلها ممن يشركون بالله -عز وجل- الشرك الأكبر المخرج مِن دائرة الإسلام.
وفي الحديث الذي رواه الترمذي وصححه عن أبي واقد الليثي قال: خَرَجَنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قِبَلَ حُنَيْنٍ، فَمَرَرْنَا بِسِدْرَةٍ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، اجْعَلْ لَنَا هَذِهِ ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لِلْكُفَّارِ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، وَكَانَ الْكُفَّارُ يَنُوطُونَ سِلَاحَهُمْ بِسِدْرَةٍ، وَيَعْكُفُونَ حَوْلَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( اللَّهُ أَكْبَرُ، هَذَا كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ( اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةً ) (الأعراف:138) ، إِنَّكُمْ تَرْكَبُونَ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) .
وفي النهي عن بناء المساجد على قبور وأضرحة الصالحين، جاء في الصحيح عن عائشة أن أم سلمة ذكرت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها مارية، فذكرت له ما رأت فيها من الصور، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( أُولَئِكَ قَوْمٌ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ العَبْدُ الصَّالِحُ، أَوِ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ ) (متفق عليه) .
وقال -تعالى- في شأن دعاء غير الله -تعالى-: ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ) (الجن:18) ، وقال -تعالى-: ( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ . وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ) (الأحقاف:5-6) ، وقال -تعالى-: ( وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ . إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ) (فاطر:13 -14) ، وقال -تعالى-: ( وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ ) (يونس:106) ، وفي الحديث المرفوع: ( مَنْ مَاتَ وَهْوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ نِدًّا دَخَلَ النَّارَ ) (رواه البخاري) .
وقال -تعالى- في شأن التوسل الشركي: ( قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا . أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ) (الإسراء :56-57) .
وقال -تعالى- في كون النذر عبادة يتقرب بها لله -تعالى-: ( ثم ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ) (الحج:29) ، وقال -تعالى-: ( يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا ) (الإنسان:7) .
وفي الحديث: نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ يَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ -اسم لمكان- فَأَتَى النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟ » قَالُوا: لَا، قَالَ: ( هَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ )، قَالُوا: لَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( أَوْفِ بِنَذْرِكَ، فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .
وفي كون النحر والذبح عبادة لا تكون إلا لله وحده، قال -تعالى-: ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) (الكوثر:2) .
ولا يخفى أن الغلو في الصالحين هو عين ما كان عليه أهل الشرك وعُبَّاد الأصنام مِن قوم نوح -عليه السلام- إلى مشركي مكة، ففي شأن قوم نوح ورد في الصحيح عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله -تعالى-: ( وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ) (نوح:23) ، قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عُبدت، أما كفار مكة فقالوا في شأن الأصنام التي كانوا يعبدونها كما حكى الله عنهم: ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ) (الزمر:3) .
وخلاصة الأمر: أن زيارة القبور؛ إما أن تكون زيارة شرعية، وإما أن تكون زيارة بدعية، وإما أن زيارة شركية.