شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (88) فوضى المقابر وانتهاك حرمة الموتى (2-2)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

ومِن شرِّ الأعمال: خلط بعض السحرة أعمال سحرهم بالمقابر، حيث يفضل بعض السحرة القبور لأعمالهم السحرية؛ لصعوبة الوصول إليها، وتحديد مكانها لإبطالها، وربما استغل بعض التربية أو المغسلين للموتى ذلك لتمرير أعمال هؤلاء السحرة من خلال التعدي على المقابر والأموات مقابل الحصول على عائد مادي كبير نظير ذلك من خلال دفن الأعمال السحرية مع الموتى أو في أكفانهم، أو نبش القبر لأخذ سنة من أسنان ميت لوضعها في حجاب ساحر أو دجال و نحوه، أو غرس أحجبة بدبابيس بين القبور (كما أن سحر الغسل معروف في جميع أنحاء العالم العربي، وهو ما يستخدم فيه السحرة أدوات غسل الميت وماء الغسل، وهو من أنواع السحر الأسود المنتشرة، وغالبًا ما يُستخدم هذا النوع بهدف التفريق بين الأزواج أو العقم أو تعطيل الزواج، وأحيانًا بهدف أن يكون الزوج منصاعًا لزوجته ولا يعارض في تصرفاتها، وفيما يخص السحر بعظام الميت؛ فنجد السحرة ينبشون القبور للوصول إلى عظام الميت، ويكتبون عليها التعاويذ والطلاسم، ثم يعيدون العظام مرة أخرى إلى القبر لدفن السحر، ويستخدم هذا السحر لأغراضٍ كثيرةٍ، منها: سحر الجلب، وسحر الانتقام. ولعظام الميت استخدام آخر في السحر حيث تستخدم العظام كبخور، والذي اشتهر باسم بخور عظم اليهودي) (انظر: تحقيق (بيزنس الموتى) جريدة (صوت الأمة ) عدد 16 مارس 2019 م، ص 6) .

عرض موميات قدماء المصريين:

من القضايا التي أثيرت هذه الأيام: دعوة البعض إلى دفن موميات قدماء المصريين، وكذلك الدعوة إلى منع عرض هذه الموميات في المتاحف المختلفة، وهي دعوة ليست بجديدة فقد أثيرت في أزمنة ماضية، فقد سبق أن قام الرئيس الراحل أنور السادات بإغلاق غرفة الموميات بالمتحف المصري بميدان التحرير، ومِن قبله قام الملك فؤاد بذلك، ولشيخ الأزهر جاد الحق فتوى في منع عرض الموميات في المتاحف؛ خاصة وقد مَرَّ نحو قرن من الزمان على اكتشاف مومياء توت عنخ أمون، أشهر مومياء مصرية قديمة، ولكن الدعوة للأسف لم تجد أي استجابة؛ إذ مضى الأمر على تقديم المنافع السياحية والدراسة التاريخية على ما هو أولى "وهو دفن هذه الموميات"؛ إذ هي جثامين لبشر ليست بحجارة أو أصنام.

ودفن الموتى هو دأب البشرية مِن زمن آدم -عليه السلام- إلى اليوم، وقد بيَّن القرآن الكريم هذا الأمر وأكَّد عليه، وعليه تستقيم الحياة، وتُحفظ كرامة الإنسان؛ فظاهر الأرض للأحياء، وباطنها للأموات:

- قال الله -تعالى- في قصة ابني آدم: قابيل وهابيل، وقتل قابيل لأخبه هابيل -وهو أول قتيل على الأرض-: ( فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ) (المائدة:31) .

قال القرطبي -رحمه الله- في تفسيره: "بعث الله الغراب حكمة؛ ليري ابن آدم كيفية المواراة، وهو معنى قوله -تعالى-: ( ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ) (عبس:21) ، فصار فعل الغراب في المواراة سنة باقية في الخلق، فرضًا على جميع الناس على الكفاية، ومن فعله منهم سقط فرضه عن الباقين، وأخص الناس به الأقربون الذين يلونه ثم الجيرة، ثم سائر المسلمين. وأما الكفار فقد روى أبو داود عن علي قال: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِنَّ عَمَّكَ الشَّيْخَ الضَّالَّ قَدْ مَاتَ، قَالَ: ( اذْهَبْ فَوَارِ أَبَاكَ، ثُمَّ لَا تُحْدِثَنَّ شَيْئًا، حَتَّى تَأْتِيَنِي ) فَذَهَبْتُ فَوَارَيْتُهُ وَجِئْتُهُ، فَأَمَرَنِي فَاغْتَسَلْتُ وَدَعَا لِي. (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .

- وقال -تعالى-: ( مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ) (طه:55) .

قال ابن كثير -رحمه الله-: "( مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ ) أي: مِن الأرض مبدؤكم، فإن أباكم آدم مخلوق من تراب من أديم الأرض. ( وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ ) أي: وإليها تصيرون إذا متم وبليتم، ( وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى )" (تفسير ابن كثير) .

وقال -تعالى-: ( وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا . ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا ) (نوح:17-18) .

قال ابن كثير -رحمه الله-: "( ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا ) أي: إذا متم، ( وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا ) أي: يوم القيامة يعيدكم كما بدأكم أول مرة" (تفسير ابن كثير) .

- وقال -تعالى-: ( أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا . أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا ) (المرسلات:25-26) .

قال ابن كثير -رحمه الله-: "قال ابن عباس: ( كِفَاتًا ) كُنَّا. وقال مجاهد وقتادة: يكفت الميت؛ فلا يُرى منه شيء. وقال الشعبي: بطنها لأمواتكم وظهرها لأحيائكم، وكذا قال مجاهد وقتادة" (تفسير ابن كثير) .

- وقال -تعالى-: ( قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ . مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ . مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ . ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ . ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ . ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ ) (عبس:17-22) .

قال ابن كثير -رحمه الله-: "وقوله -تعالى-: ( ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ) أي: أنه بعد خلقه له أماته فأقبره، أي: جعله ذا قبر" (تفسير ابن كثير) .

وظاهر هذه الآيات وكلام المفسرين فيها أنها عامة تشمل دفن الموتى من المسلمين، وغير المسلمين.

وفي السُّنة النبوية ورد أن مِن هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- دفن الكفار؛ إذ أمر علي بن أبي طالب بدفن أبي طالب لما تُوفي، وكان قد مات على غير الإسلام، وقد ورد كذلك مواراته -صلى الله عليه وسلم- قتلى المشركين من قريش بعد مقتلهم في غزوة بدر في قليب -أي: بئر-، ولم يتركهم -على كفرهم- بلا مواراة.

الصفحة السابقة الصفحة التالية