شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (10)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

قصة بناء الكعبة (8)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد طالعتنا الأخبار خلال اليومين الماضيين بتبشير الأمم المتحدة العراق بأنه دخل التاريخ -وكأنه لم يدخله مِن قَبْل!-؛ لأن "بابا الفاتيكان" أقام لأول مرة الصلاة الإبراهيمية الجامعة لليهود والنصارى والمسلمين، بعد أن أعلن رغبته عن ذلك هناك في زيارته للعراق قَبْلها بيوم، وقال: "أريد أن نصلي جميعًا كأبناء إبراهيم".

ونحن بصدد كتابة مقالاتنا عن دين إبراهيم -عليه السلام- وتعلُّق هذا الدِّين بالكعبة المشرفة، التي بَنَاها كأول مسجد وُضع في الأرض أَوَّل لعبادة الله، كما نَصَّ عليه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي ذر -رضي الله عنه-، لما سأله: أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ أَوَّلُ؟ قَالَ: ( الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ ) قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ( الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى ) قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: ( أَرْبَعُونَ سَنَةً ) (متفق عليه) .

وهو -عليه الصلاة والسلام- الذي أَذَّن في الناس بالحج إلى بيت الله الحرام، قال الله -تعالى-: ( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ . لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ) (الحج:27-29) .

وحجَّ موسى -صلى الله عليه وسلم-، كما مَرَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- بوادي الأزرق، فقال: ( أَيُّ وَادٍ هذا؟ ) فقالوا: هذا وادِي الأزْرَقِ، قالَ: ( كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- هَابِطًا مِنَ الثَّنِيَّةِ، وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللهِ بِالتَّلْبِيَةِ ) (رواه مسلم) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( والَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ، لَيُهِلَّنَّ ابنُ مَرْيَمَ بفَجِّ الرَّوْحاءِ، حاجًّا، أَوْ مُعْتَمِرًا، أَوْ لَيَثْنِيَنَّهُما ) (رواه مسلم) ؛ هذا يدل على أن الأنبياء جميعًا يَحُجُّون إلى بيت الله الحرام، فكل مَن لم يحج إلى بيت الله الحرام؛ فليس مؤمنًا ولا مسلمًا، قال: ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ? وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ) (آل عمران:97) . فمَن أبى الحج، ولم يعترف بالكعبة المشرفة قبلة؛ فهو من الكافرين.

ونؤكِّد أن الصلاة الإبراهيمية كانت على التوحيد الخالص؛ لا الشرك بعبادة غير الله، قال الله -تعالى-: ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ . اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ . يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ . هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) (التوبة: 30-33).

وأن الصلاة الإبراهيمية الَحقَّة كانت على تصديق الرسل والإيمان بهم، والبشارة بمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- الذي قال عن نفسه: ( أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ ) (رواه أحمد، وحسنه الألباني) ، قال الله -تعالى- عن إبراهيم: ( رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ. وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ) (الشعراء:83-84) ، وقال -عليه الصلاة والسلام- هو وابنه إسماعيل -كما ذكر الله -عز وجل- عنهما في سورة البقرة -وهما يبنيان البيت-: ( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ > رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (البقرة:127-129) .

وقد استجاب الله دعوتهما -عليهما الصلاة والسلام- ببَعْثَة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وجعل به الأمة العظيمة التي سألها إبراهيمُ ربَّه في ولده إسماعيل، كما في التوراة في الإصحاح السابع عشر من سفر التكوين 12: 13 عن قول الله -عز وجل- لإبراهيم: "وأما إسماعيل فقد سَمِعْتُ لك فيه، هَا أنا أُباركُه وأُثمِّره وأُكَثِّره كثيرًا جدًّا، اثني عشر رئيسًا يَلِد، وأجعله أمةً كبيرةً".

وهل وُجدت للعرب أمة عظيمة، أو دولة -أصلًا- يرأسها رؤساء، ويلي أمرها خلفاء؛ إلا بعد بَعْثَة النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي أخبر بمثل ما جاء في التوراة؟!

فقد روى البخاري ومسلم عن جابر بن سَمُرة -رضي الله عنهما- قال: دخلت مع أبي على النبي -صلى الله عليه وسلم- فسمعته يقول: (إ ِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَنْقَضِي حَتَّى يَمْضِيَ فِيهِمِ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً )، قَالَ: ثُمَّ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ خَفِيَ عَلَيَّ، قَالَ: فَقُلْتُ لِأَبِي: مَا قَالَ؟ قَالَ: ( كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ ) (رواه مسلم) . وفي رواية: ( لَا يَزَالُ الإسلامُ عَزيزًا إلى اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً ) (رواه مسلم) . وفي لفظ: ( لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ عَزِيزًا مَنِيعًا إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً ) (رواه مسلم) . وفي لفظ للبخاري: ( يَكُونُ اثْنَا عَشَرَ أَمِيرًا ).

الصفحة التالية