الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (10)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
وتفسير الحديث عند العلماء على أقوال:
منها: أنهم المستحقون للخلافة العادلون -كما ذكره النووي ورجَّحه ابن كثير-، وأنهم يكتملون إلى يوم القيامة. وهو أيضًا ترجيح القرطبي.
ومنها: أنهم اثنا عشر خليفة في زمنٍ واحدٍ. وهو أضعف الأقوال؛ لأن الأحاديث الصحيحة فيها أن كُلَّهم يجتمع الناس عليه.
ومنها: أنهم الذين اجتمع الناس عليهم وكانت الكلمة واحدة، وثَبَتَ لهم المُلك -ولو كانوا على غير العدل-؛ أولهم: الخُلَفَاء الأربعة، ثم معاوية -رضي الله عنه-، ثم يزيد بن معاوية، ثم اختلف الناس بعده حتى اجتمعوا على عبد الملك بن مروان، ثم أبناؤه الأربعة، ومنهم مَن يتوقف عند ذلك، ومنهم مَن يزيد على هؤلاء: الوليد بن يزيد؛ لأن الناس اجتمعوا عليه، ثم قتلوه؛ فتفرَّقت الأمة وحدثت الفتن.
وقيل غير ذلك.
والمقصود: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر بتفصيل ما ورد في التوراة عن وعد الله لإبراهيم -عليه السلام-.
والخلاصة: أن دينَ إبراهيم -عليه السلام- الحقَّ مرتبط ارتباطًا لا ينفك عن الكعبة قِبْلة المسلمين، ومَن صلَّى لغيرها بعد بعثة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- وأمر ربِّه له أن يُولِّي وجهه شطر المسجد الحرام، قال -تعالى-: ( قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ) (البقرة:144-145) .
وكلُّ مَن آمن بالقرآن يعتقد اعتقادًا جازمًا أن مَن ولَّى وجهه في صلاته إلى غير الكعبة المشرفة؛ لم يكن مسلمًا ولا مؤمنًا، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ صَلَّى صَلاَتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَذَلِكَ المُسْلِمُ ) (رواه البخاري) .
ولا تُقبلُ صلاة لغير الكعبة التي بَنَاها إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام-، ولا تكون عبادة لله أصلًا؛ بل هي عبادة لغيره؛ فضلًا عن أن يُسمِّي العابدُ غيرَ اللهِ إلهًا، قال الله -تعالى-: ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ . هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ . مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) (آل عمران: 65-68) .
فلا يغرَّنَّ الباطلُ أحدًا مِن المسلمين؛ فإن المقصود مما يحدث جميعًا في هذا الزَّمَان هو ضياع هُوية المسلمين وولائهم لدينهم خاصة؛ فهم المقصودون لإزالة البُعد الديني في عداوة المسلمين لليهود حول المسجد الأقصى وأرض فلسطين؛ بزعم التعايش والتسامح!
ونقول: هل فَقَدَ المسلمون التعايش والتسامح طيلة ألف وأربعمائة سنة وزيادة، حَكَموا فيها معظمَ العالم المسكون في ذلك الوقت؟!
وبقية الملل الأخرى عاش أهلُها -ويعيشون- في ظلِّ الإسلام آمنين مطمئنين حين خضعوا لسلطان الإسلام، دون مداهنة من المسلمين، أو تصحيح لعقائد الشرك والكفر، ودون أن يُصلُّوا معًا صلاة واحدة يُسمُّونها: إبراهيمة!
ولو كان المسلمون لا يتعايشون مع الكفار دون الموالاة والمداهنة لهم -التي ظهرت في هذا الزمان باسم: الدِّين الإبراهيمي، والصلاة الإبراهيمية، والولايات الإبراهيمية المتحدة، ومعبد الديانات الإبراهيمية-؛ لما وُجدَ كافرٌ واحدٌ في بلاد الإسلام مِن المغرب إلى الصين؛ فقد بقي اليهودُ في الأندلس والمغرب وتونس، وبقي الأقباط في مصر، وبقي المجوس في فارس، وبقي الهندوس والبوذيُّون في الهند.
وهذا كله مِن أدلِّ الأدلة على سَمَاحة الإسلام؛ فهم باقون إلى يومنا هذا، وهو يدل على عدم المداهنة؛ لأن المسلمين لم يَعْرِفوا قط في تاريخهم تصحيح مِلَّة مَن يُكذِّب رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- ويُكذِّب القرآن، ويعبد غيرَ الله صراحة؛ فهذه المداهنة، والمولاة، والإقرار بالباطل، وتصحيح ملة غير المسلمين، تنافي أصل شهادة: "أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله".
فاللهم إنا نبرأ إليك مِن كلِّ هذا الضلال، ونشهدك أننا برآء مما يعبدون؛ إلا الذي فَطَرَنا -سبحانه وتعالى-، وأننا نشهد أننا لا نرى تابعًا لإبراهيم -عليه السلام-؛ بل ولا لموسى وعيسى؛ إلا مَن صدَّق إبراهيم وموسى وعيسى ومحمدًا -صلى الله عليه وسلم-، ونشهد أن مَن كذَّب واحدًا من هؤلاء؛ وخاصةً محمدًا -صلى الله عليه وسلم- وكذَّب القرآن الذي جاء به، وأبى أن يتابعَ محمدًا على شريعة الإسلام أنه كافر مشرك غير مقبول عند الله.