شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (89) الصناعة ودورها في الاقتصاد المصري (1)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد عرفت مصر الزراعة والصناعة منذ قديم الزمان، وأقامت عليهما حضارة عريقة بقيتْ آثارها على جدران المعابد تشهد على ما كان عليه المصريون القدماء من عمران وأبنية ومدن، شمالًا وجنوبًا، وآلات للزراعة وشق للترع، وربط للنيل بالبحر الأحمر، وصناعة أسلحة للقتال وعجلات حربية، ومراكب كبيرة جالت النيل، ثم البحر الأحمر إلى بلاد بونت (الصومال حاليًا)، وغيرها.

ومعلوم أنه لا حضارة بلا صناعةٍ، فالصناعة عبر التاريخ ترمز إلى التقدم العلمي، بينما الاقتصار على الزراعة وحدها أصبح يرمز عبر التاريخ إلى التخلف.

ومعلوم أن عصر النهضة في أوروبا ارتبط بالآلة والتقدم الصناعي، والتحول بالتالي من مرحلة الزراعة وما ارتبط بها من إقطاع، إلى مرحلة الصناعة والاتجاه إلى الرأسمالية.

الصناعة عند قدماء المصريين:

استعمل المصريون القدماء نوعين من الحجارة:

إحداهما: الأحجار الكريمة، والتي كانت تُحفظ في أكياس صغيرة، وكانت تأتي من المناجم الشرقية: كما في الفيروز والزمرد، ومِن النوبة: كما في العقيق الأحمر والامتست، ومِن آسيا مثل: اللازرود.

وقد استعملت هذه الأحجار الكريمة وشبه الكريمة في تطعيم الخشب والذهب، وصنع التمائم؛ قام بذلك عمال في غاية المهارة.

وثانيهما: الكتل الصلبة من الحجارة، والتي توافرت في مصر القديمة؛ فقد استعملها النحاتون والبناؤن؛ لا سيما الحجر الجيري.

وقد استغلت الأحجار الخشنة في بناء الجدران الداخلية ونوايا الأبنية، واستخدمت الأحجار الجميلة لزخرفة الحوائط الرئيسية، وفي تشييد المعابد الفخمة، وكانت هذه الأحجار تقطع بعناية خاصة من محاجر معينة.

وقد جلب المصريون القدماء الحجر الرملي الأصفر من جبل السلسلة، والحجر الجيري الأبيض من طرة، والجرانيت الرمادي أو الأحمر من أسوان، والكوارتزيت الأحمر من الجبل الأحمر، والمرمر من مصر الوسطى، ويضم معبد رمسيس الثاني كل هذه الأنواع، وهو خير معرض لشتى الأحجار الجديرة بأن يراها الزائرون مِن المعجبين بالفن المصري.

كما استعمل المصريون القدماء البازالت كثيرًا في رصف الطرق، وفي بناء المداميك السفلى، وصناعة التماثيل والأواني، كما استعملوا الديوريت والرخام، وحجر الحية، والسماق، والديوريت المتحول، ومنه صنع تمثال خفرع الشهير، كما صنعت الجعارين الكثيرة وبعض التحف من الاستياتيت الرخو. وكان لدى قدماء المصريين أزاميل قوية من النحاس الأحمر، ومن البرونز، نحتوا بها الحجر الجيري وشكَّلوا أصلب الـحجارة ونقشوا عليها الحروف الهيروغليفية، وقبل ذلك في عام 4000 ق . م صنع أسلافهم من العصر الحجري الحديث أوانٍ جميلة مِن تلك الأحجار؛ نحتوها بأيديهم بأدوات بسيطة، وإلى اليوم لم يحاول أي خبير أن يقوم بمثل تلك الأعمال بدون سبائك ومثاقيب دوارة بالغة السرعة (راجع في ذلك: "معجم الحضارة المصرية القديمة" ترجمة أمين سلامة - مكتبة الأسرة - الهيئة المصرية للكتاب - ط. الثانية عام 1996م، ص 14- 15) .

وقد ظهر النحاس في مصر في نهاية عصر ما قبل التاريخ، وبدأ استعمال البرونز حوالي عام 2000 ق. م. أما الحديد فأدخل في الصناعات المصرية بين عامي 1000 و600 ق. م. وقد صنع المصريون القدماء من المعادن كثيرًا مِن الأشياء الجميلة الدقيقة من النحاس. ومن البرونز أسلحة القتال وأدوات النجارين وأزميل قطع الأحجار والتماثيل الكبيرة، وأشرفت الحكومة على صناعة المعادن، ويعد مصنع الأسلحة بمدينة منف أقدم مصنع جماعي في العالم.

وشاركت المعابد أيضًا في الصناعات المعدنية كما في صانعي معادن (آمون) وصاهري معادن (بتاح)، ويمكن التعرف على صناعة المعادن في مصر القديمة بمساعدة النصوص، وفحص المصنوعات، وصور صُنَّاع المعادن، وكانوا يقومون بتنقية النحاس في منجمه، أما البرونز فكان يرد جاهزًا من آسيا، وقد خلط الصناع النحاس بالقصدير، وكانوا يستعملون آتونًا صغيرًا مِن الطين لصهر المعادن، ويستخدمون الفحم النباتي وقودًا (راجع في ذلك المصدر السابق، ص 205 - 206) .

الصناعة في مصر في عهد "محمد علي" وأولاده:

كانت مصر بإسهاماتها في المجالات المختلفة جزءًا لا يتجزأ من الحضارة الإسلامية عبر قرون طويلة، وفي عهد محمد علي باشا شهدت مصر نهضة صناعية كبيرة، بإدخال صناعات جديدة لم تكن موجودة من قبل في ظل اهتمام محمد علي بالتعليم؛ حيث أنشأ المدارس الكثيرة في شتى المجالات، منها: المدارس الصناعية إلى جانب مدرسة للهندسة ومدرسة للطب، وجعل لمصر جيشًا قويًّا، وأسطولًا بحريًّا؛ لتحقيق طموحاته في الاستقلال بمصر أو أن يحكمها ويحكمها أولاده من بعد.

ولكن في ظل الاحتلال الإنجليزي لمصر تعمَّد الاحتلال تكريس فكرة: أن مصر دولة زراعية، وليست صناعية؛ بغرض استغلال مصر في الحصول منها على الخامات الزراعية؛ خاصة القطن لتصنيعها في إنجلترا ثم استغلال السوق المصري في تسويق ما ينتجه الاحتلال، وهو ما دفع طلعت حرب إلى إدخال صناعة الغزل والنسيج وغيرها في مصر من خلال إنشاء بنك مصر لمحو هذه الفكرة.

الصناعة بعد ثورة يوليو:

أما في عهد ثورة يوليو 1952م فقد نهضت الصناعة الوطنية بشكلٍ ملحوظٍ، حيث تم إنشاء المجلس الدائم لتنمية الإنتاج القومي في سبتمبر 1952م، الذي قام بإصدار خطة طموحة للاستثمارات العامة تضمنت بناء مشروعات الصناعات الثقيلة: كالحديد والصلب، وشركة (كيما) للأسمدة، ومصنع إطارات السيارات الكاوتشوك، ومصانع عربات السكك الحديدية (سيماف)، ومصانع الكابلات الكهربائية.

وقد تم تمويل بعض هذه المصانع وقطع الغيار بواسطة جزءٍ مِن الغطاء الذهبي لمصر، وفي الستينيات تم مد خطوط الكهرباء من أسوان إلى الإسكندرية، كما تم بناء المناجم في أسوان والواحات البحرية، وقد تم تمويل كل هذه المشروعات ذاتيًّا.

وقامت شركات مصرية بإنتاج مئات الألوف من البدل والقمصان، والملابس الحريمي، وأحذية (باتا)، والقماش الكستور، والبيجامات، وقامت المصانع الحربية بتوفير البوتاجازات والثلاجات والمراوح التي دخلت البيوت المصرية من خلال بيعها بالتقسيط المريح لموظفي الحكومة والقطاع الخاص معًا.

الصفحة التالية