الفساد (89) الصناعة ودورها في الاقتصاد المصري (1)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
وقد شهدت مصر خلال الفترة من 1957م إلى 1967 م ارتفاعًا في معدلات التنمية، وحققت تلك الإجراءات نسبة نمو بلغت ما يقرب من 7 %، وقامت مصر في تلك السنوات العشر بتحقيق تنمية تماثِل أربعة أضعاف ما حققته خلال الأربعين سنة السابقة على عصر الثورة (راجع في ذلك مقال: "عبد الناصر أبو الصناعة الوطنية" جريدة الفجر عدد الخميس 15 أكتوبر 2020 م، ص 14) .
ثم جاءت هزيمة مصر في حرب يونيو 1967 م وما بعدها لتكون نقطة تحول في مسيرة التنمية والتقدم في مصر، ورغم انتصار مصر في حرب أكتوبر 1973م ثم استعادتها لشبه جزيرة سيناء وتوقيعها معاهدة للسلام مع إسرائيل؛ فإن مصر لم تستعد قدرتها على تحقيق التنمية المطلوبة منها، بل شهدت تأخرًا صناعيًّا وزراعيًّا جعلها تفتقر إلى الاكتفاء الذاتي، وتعتمد على الاستيراد لاستيفاء احتياجاتها الأساسية.
التجربة الكورية الجنوبية:
شهدت دولٌ عديدة تقدمًا اقتصاديًّا كبيرًا، وتنمية بشرية مرتفعة بعد أن كانت تتشابه مع مصر في أحوالها الاقتصادية خلال فترة الستينيات من القرن العشرين، بل كان هناك دول منها أقل مِن مصر اقتصاديًّا، ومِن هذه الدول كوريا الجنوبية والبرازيل والهند وتركيا وماليزيا، ولعل أقربها شبهًا بمصر هي كوريا الجنوبية؛ فكيف تقدمت كوريا الجنوبية اقتصاديًّا في وقتٍ تجمدت فيه مصر تقريبًا اقتصاديًّا؟!
لعل الإجابة تشير إلى بعض ما يمكن الاستفادة منه في فهم ما آلت إليه الأحوال في مصر: (بدأت كوريا الجنوبية مسيرتها التنموية في وقتٍ مقاربٍ لمسيرة التنمية في مصر؛ غير أنها استطاعت تحقيق طفرة، بل معجزة تنموية، في حين تجمدت مسيرة التنمية في مصر؛ ففي بداية الستينيات كانت أوضاع كوريا الجنوبية مشابهة لمصر من حيث الموارد والمؤشرات التنموية، والأحوال الاقتصادية والسياسية والاجتماعية؛ فقد تأثر اقتصاد كلٍّ مِن: كوريا الجنوبية ومصر بالإنفاق العسكري الهائل؛ نظرًا لوجود عدو على الحدود، ولم تختلف الأنظمة السياسية الحاكمة كثيرًا حيث حكم كلا البلدين نظامٌ شبه دكتاتوري، يصاحبه رقابة صارمة، ونظام شرطة سري وقمعي!
وعلى الرغم مِن التقدم الاقتصادي الذي استطاعت مصر أن تحرزه خلال الفترة الماضية؛ فإن التنمية الاقتصادية التي شهدتها كوريا الجنوبية كانت أكبر بكثيرٍ؛ الأمر الذي أعقبه تباعد كبير في المؤشرات التنموية بين الدولتين حتى يومنا هذا، وتقدُّم كوريا الجنوبية عن مصر في مجالات التنمية المختلفة منذ منتصف التسعينيات من القرن الماضي، فقد أصبحت كوريا الجنوبية اليوم قوة صناعية قائدة ومبدعة تكنولوجيًّا، وتتمتع بنظام ديمقراطي حيوي) (راجع: "كيف تنهض الأمم؟ تجارب تنموية ودروس مستفادة" د. نسرين اللحام - كتاب الجمهورية - ديسمبر 2014 م، 44 - 45) .
(استطاعت كوريا الجنوبية تحقيق ما يمكن تسميته: المعجزة الاقتصادية الكورية؛ نظرًا للفترة القصيرة التي استغرقتها عملية التحول من دولة نامية فقيرة إلى دولة صناعية متطورة، وهي 26 عامًا (1962م - 1988م)؛ فقد تحول الاقتصاد الكوري خلال تلك الفترة من اقتصاد زراعي متخلف إلى اقتصاد صناعي متطور يقوم على المعرفة التكنولوجية، وأعطت الحكومة الأولوية لتطوير الصناعات التحويلية مما انعكس على الصادرات الكورية بالإيجاب بشكلٍ كبيرٍ، وأسهم في نقل كوريا الجنوبية من إحدى أفقر دول العالم إلى أكثر قواها الصناعية الواعدة.
وعندما بدأت مسيرة التنمية الاقتصادية في كوريا الجنوبية عام 1962م كانت تعاني من التخلف وارتفاع نسبة الأمية وندرة الموارد الطبيعية، والموارد اللازمة للتنمية، وهو ما جعلها ثالث أفقر دولة في آسيا) (المصدر السابق، ص 43) .
(وقد حققت كوريا الجنوبية نجاحات باهرة رغم تعرضها لعدة نكسات خلال مسيرتها التنموية، وظلت تنمو بمعدلات تزيد على 8 % سنويًّا، ولم يكن تحقيق هذا القدر من النمو ممكنًا دون العمل الدؤوب والانفتاح على الأسواق العالمية والعلاقات القوية مع الدول الرأسمالية، والدعم الأمريكي الذي وفر الانطلاقة الأولى للاقتصاد الكوري، وساعد على ذلك توفر المناخ الاستثماري المناسب والسياسات الاقتصادية الملائمة، والإصلاح في كل الميادين بخاصة في القطاعات المالية والشركات والقطاع العام، كما كان لتوفير المناخ الديمقراطي بالمعنى السياسي والاجتماعي أكبر الأثر في توفير البيئة الصحية التي يمكن للمشاريع الاقتصادية أن تنمو وتزدهر من خلالها، وإيجاد المناخ الصحي لإطلاق عملية تنموية حقيقية) (المصدر السابق، ص 44) .
(وتبيِّن المؤشرات التالية مدى التطور الذي تمكنت كوريا الجنوبية من تحقيقه خلال العقود الماضية؛ فقد واصل اقتصاد كوريا الجنوبية نموه السنوي، فبينما بلغ معدل النمو في عام 1980 م نحو 5و1 %، ارتفع إلى 2و9% عام 1995 م لينخفض إلى 3و6 % عام 2010م.
- ارتفع إجمالي الدخل القومي من 3و2 مليار دولار عام 1962 م إلى 447 مليار دولار عام 2002م، واستمر في الزيادة حتى وصل إلى 1126 مليار دولار عام 2011 م، وأصبحت كوريا الجنوبية واحدة من أكبر عشر اقتصاديات في العالم.
- بلغ احتياطي البلاد من العملة الأجنبية 8و3 بلايين دولار في نهاية عام 1997 م، وارتفع إلى 325و155 مليار دولار في نهاية عام 2003 م، وتمكنت البلاد من دفع قروض الطوارئ البالغة 5و13 مليار دولار.
في عام 1996 م أصبحت كوريا الجنوبية العضو التاسع والعشرين في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
- ارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي من 5864 دولارًا عام 1980 م إلى 28226 دولارًا عام 2012م.
- دخلت كوريا الجنوبية ضمن مجموعة الدول العشرين الاقتصادية الكبرى، واحتلت المرتبة الحادية عشرة بين أكبر اقتصاديات العالم، والمركز السابع عالميًّا من حيث حجم التجارة، حيث بلغ حجم تجارة كوريا الجنوبية مع العالم نحو تريليون دولار عام 2012م، وبلغ الإجمالي السنوي للصادرات 8و512 مليار دولار في العام نفسه.