شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

ملخص كتاب: "تنظيم الأسرة وتنظيم النسل" للعلامة الأزهري "محمد أبو زهرة" (1)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المرأة والأسرة

(دعوات التغريب وأثرها في دعوات تغيير أحكام الأسرة)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

تمهيد:

فهذا اختصار وتعليق لكتاب العلامة "محمد أبو زهرة" العَالِم الأزهري الجليل، صَاحِب المُصنَّفَات في الفقه وأصوله، وتاريخ أعلام الأئمة المجتهدين.

وهو كتاب كَتَبه بناءً على تكليفٍ مِن "مجمع البحوث الإسلامية" في "الأزهر"، كما ذكر الشيخ في مقدمته، ورغم أن الكتاب مختصرٌ؛ إلا أنه ما زال يقبل مزيدًا مِن الاختصار؛ ليناسب هِمم كثير ممَّن يحتاجون أن يتعرفوا على القضية مِن كلِّ جوانبها.

وقد تعرَّض فيه الشيخ لمقدمة لتاريخ دعوات: "تقييد تعدد الزوجات"، و"تقييد الطلاق"، والتي تَزامنت مع محاولة الاستفادة مِن توسُّع المذهب الحنبلي في قبول شروط الزوجة في عقد الزواج، ومحاولة الاستفادة من فقه ابن تيمية -رحمه الله- في الطلاق، وعدم اعتداده بكثيرٍ مِن الصور التي ذَهَب جمهور العلماء قبله إلى أنها تقع طلاقًا.

وبيَّن -رحمه الله-: أن متعصبة المذاهب رَفَضوا كل خروج مِن مقتضى مذهب الأحناف الذي كان معمولًا به في القضاء المصري، ومعظم البلاد المشرقية، فصار هؤلاء في طَرَفٍ، والمستغربون وأتباع اللورد "كرومر" ومَن انضم إليهم مِن أتباع "قاسم أمين" في طرفٍ.

وبَيَّن الشيخ أنه يحسن الظن في قاسم أمين ومَن على سار على طريقته، واعتذر عنهم بأن سبب ما ذهبوا إليه هو التأثر بالثقافة الفرنسية وإن حسنت نواياهم، ولكنه أحسن حيث قال: "إن ضرر هؤلاء قد يكون أكبر، وقد كان".

وبيَّن الشيخ أن الوسط أن يُفرَّق في هذه المطالِب بين ما له أصل في الكُتُب والسُّنة، ومستنَد مِن الفقه الصحيح، وما يمكن أن يكون قد عُوِّل عليه في مذهبٍ قديمٍ على عُرْف قد تغيَّر فيُعاد فيه النظر، وبين ما لا يستنِد إلى شيء من ذلك فيرفض رفضًا قاطعًا؛ حتى إن الشيخ "حسونة النواوي" شيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية آنذاك قد استقال أو أقيل مِن منصبه عام 1899م اعتراضًا على طرح هذه القضايا، ثم أعادوه إلى منصبة عام 1907م، فاستقال ثانية عام 1909م.

وهذا ملخص للكتاب لم أعدِّل فيه حرفًا مما كتبه الشيخ، ولم أضف عليه، بل حذفتُ ما يمكن حذفه مِن التفاصيل وما احتاج إلى توضيح، وضحته بالهامش.

وقد ذكر الشيخ أقسام الكتاب، فقال:

"ونقسِّم البحث إلى ثلاثة أقسام:

الأول: بيان تاريخ الأفكار التي تعرَّضت لها نُظُم الأسرة في الإسلام.

الثاني: كيف عالجت قوانين البلاد الإسلامية ما أثاره بعض الناس وعدوه مشكلة، ونبيِّن تشريع الإسلام فيما‏ ابتدع من آراء، وما أدخل في هذه القوانين من جديد.

الثالث: ما يتعلق بالمسألة التي سموها: تنظيم النسل،‏ وأدخلت في الأسرة،‏ بل صار مِن الناس مَن لا يفهم مِن كلمة تنظيم الأسرة إلا تنظيم النسل".

وفي هذه الحلقة نتناول القسم الأول منها، والذي وضعتُ له عنوانًا: "دعوات التغريب وأثرها في دعوات تغيير أحكام الأسرة".

قال الشيخ العلامة أبو زهرة -رحمه الله تعالى- ما ملخصه:

"القسم الأول

في أوائل هذا القرن الهجري، وآخِر القرن الماضي الميلادي، نبتت فكرة أوحى بها الإنجليز الذين كانوا يتحكمون في التقنين المصري ونظام القضاء -أو يكادون-، وهي: أن يدخل في المحكمة العليا الشرعية قاضيان من مستشاري محكمة الاستئناف، وعُرضت الفكرة على دور النيابة الضئيلة النفوذ في ذلك الوقت، فتنبَّه المسلمون لما يُراد بقضائهم الشرعي؛ فقاوموا الفكرة، وتولَّى قيادة المقاومة الإمام الأكبر المرحوم الشيخ حسونة النواوي -رضي الله عنه-، فشدد في المعارضة، وشدد في العرض وزير العدل في ذلك الوقت بطرس غالي.

‏وترتَّب على ذلك: أن استقال الإمام الأكبر، أو بالأحرى أُقيل مِن مشيخة الأزهر والإفتاء،‏ ولكن إذا كان الشيخ الأكبر قد أوذي ففي سبيل الله ما نَزَل به، وقد ماتت الفكرة في مهدها بمقاومته التي زادت المسلمين تنبهًا وإدراكًا للمآرب التي أرادها باعثو هذه الفكرة.

تيارات شديدة

في هذه الأثناء أخذ اللورد كرومر المعتمد البريطاني يتكلم في تعدد الزوجات، ويهاجِم ذلك المبدأ المقرَّر في الإسلام، والذي انعقد إجماع المسلمين من عهد الرسول -عليه الصلاة والسلام- إلى اليوم على أنه حلال، وقد استحله الصحابة من غير نكير، واستحله من بعدهم التابعون، وسارت الأمة على ذلك من غير نكير.

وقد زَعَم زعيم الاستعمار، والمُمَكَّن له في مصر: أن السبب في تأخير المسلمين هو تعدد الزوجات! ولعله لم يتصدَّى لتحديد النسل أو تنظيمه أو ضبطه؛ لأن عدد المصريين خاصة كان ضئيلًا، ولم تفزعهم الكثرة الكاثرة مِن المسلمين إلا مِن بعد ذلك عندما أخذتِ الدولُ الإسلامية تستقل دولة بعد أخرى، ويصير لها رأي في السياسة العالمية، وخصوصًا بعد أن أخذت الشعوب الإسلامية في التلاقي بعد طول الافتراق، وفي الاجتماع على مائدة القرآن بعد أن فرَّقها الشيطان.

وبجوار ذلك التيار الاستعماري، وُجد تيارٌ آخر إسلامي، لا نحسبه إلا منبعثًا من قلبٍ مخلصٍ، وإن كان على غير الصواب؛ ذلكم هو التيار الذي تولَّى دفعه قاسم أمين -رحمه الله-.

وإنا لا نشك في إخلاص قاسم -رحمه الله-، ولكنا نعتقد أنه كان متأثرًا بأمرين:

أولهما: حال المرأة الشرقية في ذلك الوقت وبُعدها عن العلم، وكثرة مهاجمة الإسلام من هذه الناحية، ولعله لم يدرك القصد السيئ من تلك الحملات، وأنها صليبية فكرية، بدل الحرب الصليبية بالسيوف.

ثانيهما: أن ثقافته الأولى كانت فرنسية صرفة؛ وكان حَسَن الظن بما عند الفرنسيين من عِلْم وفكرٍ، وكتاباته الدَّالَّة على ذلك كثيرة، وبمقدار ذلك التأثر كان إيمانه بما كتب.

ولا نقول إنه كان مدفوعًا مِن المستعمرين؛ فهو أبعد الناس عن ذلك، ولكن نقول: إن التأثير كان في عقله وقلبه ونفسه، وذلك لا يقل خطرًا.

ومهما يكن؛ فإن المقاومة لآراء قاسم كانت شديدة، ولكن البذور التي بَذَرَه -وإن عصفت رياح المقاومة بالنبت الذي أنبته- قد بقيتْ في الأرض التي أُلقيتْ فيها، حتى تجد الجوَّ الصالح فتنبُت، ويستغلظ سوقُها ويَظْهَر، وقد كان ذلك -كما سنبين- مِن بعد. ‏

الصفحة التالية