شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

ملخص كتاب: "تنظيم الأسرة وتنظيم النسل" للعلامة الأزهري "محمد أبو زهرة" (1)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المرأة والأسرة

لقد كان مِن أهم ما في كتابه مِن نُظُم، هو: "تقييد تعدد الزوجات"، و"تقييد الطلاق"، وقد بقيت فكرتهما مستقرة ثابتة في الأرض المصرية الخصبة، حتى واتاها الزمان فظهرت،‏ إذ وُجد الجو الصالح لنمائها ‏عندما غَزَت الأفكارُ الأوروبية الأسرةَ المصرية غزوًا كاملًا، ونفذت عناصرُ مختلفة بهذا الغِذَاء المَانِع من التَّعَدُّد والطلاق المُسْتَمَد في جُمْلَتِه في أصل كَنِيسي "إن لم يكن في مظهره ولبوسه؛ ففي منبعه وأرومته"، ولكن تأخَّر الجوُّ الصالح عن عهد قاسم نحو خمسة وعشرين سنة، وحدثت فيها أحداث، كان الجو نتيجة لها.

الأربعينيات ومحاولة الاستناد إلى آراء الشيخ "المراغي" رغم تراجعه عنها (1)

لقد عَادَت فكرةُ: "تقييد تعدد الزوجات"، ومعها: "تقييد الطلاق" في سنة 1943م، وقد نشرتها من قَبْرِها وزارةُ الشثون الاجتماعية، وأيَّدتها بفتوى أفتاها الأستاذ الأكبر، شيخ الجامع الأزهر، وكان المرحوم الشيخ "محمد مصطفى المراغي" قد أفتى بجواز تقييد الطلاق، وتقييد تعدد الزوجات.

وكان "تقييد تعدد الزوجات" على النحو الذي اقترحته لجنة أكتوبر سنة 1926م.

أما "تقييد الطلاق" فقد كان أساسه: أن الطلاق لا يكون إلا بإذن القاضي، ومَن يطلِّق بغير إذن القاضي المختص يُحكم عليه بالحبس ثلاثة أشهر أو بغرامة مائة جنيه، وقبل أن يأخذ الاقتراح طريقه إلى دار النيابة ليكون به قانون طواه رئيس الوزراء إبان ذلك، وكان ذلك عملًا جليلًا، أنقذ به الأسرة الإسلامية، ولم يجعلها تحكم بنظام غير إسلامي، مأخوذ من نظام آخر.

ومما يذكر بالخير لفضيلة المرحوم الأستاذ الشيخ المراغي: أنه أعلن عدوله عن رأيه في تقييد تعدد الزوجات، وتقييد الطلاق، وذكر في عدوله: أن المضرة الاجتماعية في التقييد أشد منها في الطلاق. وأن رأيه والعدول عنه موضوع في ملف هذه المسألة بوزارة الشئون الاجتماعية، وقد اطلعنا عليه بها، ونرجو أن يكون باقيًا، لم تمتد إليه يدٌ مِن أحدٍ بتلك الوزارة (وإن كنا نستبعد أن يكون ذلك).

المحاولات بعد ثورة يوليو 1952م (2)

استمر المشروعُ نائمًا لم يوقظه أحدٌ، حتى كانت الثورة في 23 يولية سنة 1952م، ولم يثر القوامون عليها الأرضَ لتحيا مِن جديد فكرةُ تقييد تعدد الزوجات، وتقييد الطلاق، ولكن زُيِّن لبعض الناس أن يحيوها في ظل تلك الثورة المغيرة.

وتقدَّموا في آخر سنة 1953م بمشروعات لذلك، ولكن في هذه المرة قبل أن تتجه إلى مناطق التشريع أُلِّفَت لجنة كبيرة دَرَسَت الفكرة من جديدٍ على ضوء الإحصاء الدقيق، وتبيَّن أنه ليس ثَمَة داعٍ إلى مثل هذا التشريع الذي لم تثبت الدواعي إليه، حتى لقد صَرَّح كبارُ وزارة الشئون الاجتماعية بأن مسألة تعدد الزوجات لا يمكن أن تعد مشكلة حتى تعالج، ولا داء، حتى يطلب له؛ لأنها تقل شيئًا فشيئًا تبعًا للتطور الاجتماعي، وعلو المدارك، وتعميم الثقافة، والإحساس العميق بالواجبات الأسرية عند الرجل والمرأة على سواء؛ فإن التعدد ليس مبعثه من قِبَل الرجل وحده، بل هو مِن قبلهما معًا، أو المرأة فيه أقوى سببًا، ولم تنبعث الفكرة من الآراء الاجتماعية السليمة، بل نبعت الفكرة مِن بعض الجماعات النسائية، وكانت موضوع دراسة في مؤتمر الاتحاد القومي الذى انعقد في سنة ‎ 1960 ، وتناقش فيه المجتمعون في اللجان الاجتماعية والنسائية والتشريعية، وكان للرئيس جمال عبد الناصر مقام مشهود في هذه المناقشات، فقد اشترك فيها وبيَّن أن هذه مسائل اجتماعية ودينية، وأنها تُترك للتوجيه والإرشاد، وإذا كانت عيبًا؛ فإن علاجها لا يكون بقانون؛ لأن مفاسده تكون أكثر من مضاره .

وخرجت مسألة تقييد الطلاق، وتعدد الزوجات من نطاق التفكير الاجتماعي الدقيق المغير، وخصوصًا أن النسبة هبطت في مصر بالنسبة للتعدد إلى أقل من 1. 5 في المائة، وأن نسبة الطلاق الذي يحل الأسرة بعد تكوينها لا يصل 2% في المائة -كما سنبين-.

وقد أصبح لا يُنَادي بهذا التقييد في مصر إلا الذين يريدون تقليد الغربيين في كل شيء عندهم،‏ ولو أدَّى إلى تَهَدُّم بناء الأسرة الإسلامية؛ ‏لا يدفعهم إلى مصلحة اجتماعية، ولا مصلحة المرأة؛ لأن في ذلك التقييد ضررًا مؤكَّدًا بها، وإنما يدفعهم أن يُمْنَع عند المسلمين ما يُمْنَع عند غيرهم، لكنَّ الغربيين يخضعون لحكم كنيستهم؛ فهلا قَلَّدْنَاهم وخضعنا لحكم القرآن والسُّنَّة، وما عمله السلف الصالح؟!" (3) .

خاتمة:

كَتَبَ الشيخُ هذا البحث بناءً على طَلَبٍ مِن مجمع البحوث الإسلامية، ونشره في عام 1976م لتصاعد التيارات التي تطالِب بالتشبه بالغرب في كلِّ نُظُمِه في ذلك التوقيت؛ ظنًّا منهم أننا متى غَيَّرنا أخلاقنا ونُظُم مجتمعنا التي يحسدوننا عليها، سوف يكافئوننا بأن يعطونا تقدُّمهم التقني والعلمي!

ورغم أن هذه النظرية المفرطة في السذاجة قد أثبت الواقع كذبها في الشعوب التي خَطَت في طريق التغريب خطوات أوسع، وبعضها إلى الآن يصنَّف على أنه مِن أشباه الدول، وتتقاسم حكمه ميليشيات كثير منها لا يواري أنه يعمل بأجنداتٍ خارجيةٍ؛ إلا أن طابور المخدوعين لا يكاد ينتهي، والأخطر أنهم بحكم أنهم تغريبيون فهم يتقمصون دور المحتل الأجنبي في نظرته الاستعلائية لنفسه، ومِن ثَمَّ لا يَخْجَلون في أن يصرِّحوا أنهم يريدون تطبيق ديكتاتورية الأقلية!

وزاد الطين بِلَّة: أن مَنَصَّات التَّوَاصُل الاجتماعي مكانٌ سهل جدًّا لصنع رأي عام وهمي، يُرَاد به أن تُحْكَم الأمةُ في أعراضها وأنسابها بمثل هذه الآراء!

والأمل معقود -بعد فضل الله تعالى- على العلماء المصلحين "لا سيما في الأزهر"، وعلى مَن يُقَدِّر المسئولية تجاه السواد الأعظم مِن الناس.

لقد ذَكَرَ الشيخُ "أبو زهرة": أن تلامذة قاسم أمين استثمروا وجود "سعد زغلول" على رأس البرلمان عام 1926م، وأنه مؤيِّد لكل آراء قاسم أمين في تمرير قانون فيه كثير من هذه القضايا، ولكن سعد زغلول بحسه السياسي لما وجد اعتراضات من هيئة كبار العلماء رفض تمرير القانون في البرلمان، وأحاله إلى وزراة العدل لدراسته، ووُئِد هذا القانون في مَهْدِه -بفضل الله-.

الصفحة السابقة الصفحة التالية