شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

شهر شعبان وتحقيق أصول المنهج

حسن حسونة • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يكثر مِن الصيام في شعبان أكثر مِن صيامه في رجب حتى قالت أمنا عائشة -رضي الله عنها-: "مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ" (متفق عليه) . وفي رواية: "كَانَ يَصُومُهُ إِلَّا قَلِيلًا، بَلْ كَانَ يَصُومُهُ كُلَّهُ" (رواه الترمذي والنسائي، وصححه الألباني) . وفي رواية: "كَانَ أَحَبَّ الشُّهُورِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ يَصُومَهُ: شَعْبَانُ، ثُمَّ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ" (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .

بل أكَّدت أمنا أمُ سلمة -رضي الله عنها- على هذا المعنى، فقالت: "مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ إِلَّا شَعْبَانَ وَرَمَضَان" (رواه الترمذي، وصححه الألباني) ، وفي رواية قالت: "لَمْ يَكُنْ يَصُومُ مِنَ السَّنَةِ شَهْرًا تَامًّا إِلَّا شَعْبَانَ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ" (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .

فهذه الروايات كلها تؤكِّد ذلك المعنى في كثرة صيام النبي -صلى الله عليه وسلم- في شعبان.

وفي شهر شعبان إعانة على تحقيق قواعد وأصول المنهج السلفي المبارك، والأصول هي: "التوحيد، والاتباع، والتزكية"، وبيان ذلك فيما يلي: فتحقيق التوحيد وإخلاص العبادة لله دون مَن سواه، هو الغاية من خلقنا، ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) (الذاريات:56) .

وقد أخذ الله المواثيق على عباده بالتوحيد؛ ميثاق الظهر والفطرة، وبعث الله المرسلين مبشرين ومنذرين؛ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.

فتحقيق الربوبية: باعتقادنا بأن الله هو الخالق الرازق المدبر، والمحيي المميت، له المُلْك -بالضم- والمِلْك -بالكسر-، له السيادة وحق التشريع، لا ينازعه في ذلك أحدٌ.

وكذا تحقيق الألوهية: من خلال عبادتنا التامة له؛ الظاهرة والباطنة لا شريك له، وبذلك أمرنا ونحن من المسلمين، ( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ ) (البينة:5) ، وهو أصل دين الأنبياء.

وكذا إثبات ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات: من غير تعطيل، ولا تحريف، ولا تكييف، وبلا تمثيل، ونفي ما نفاه عن نفسه، ونبذ الشريك عن الله؛ لأن الشرك أخطر الخطر، وأكبر الذنوب والآثام، ويحرم صاحبه من دخول الجنة: ( إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ) (المائدة:72) ، وهو محبط للعمل: ( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (الزمر:65) ، بل هو أعظم الذنوب، وأكبر الكبائر على لسان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما سُئِل عن أكبر الكبائر، ذكر أنه الإشراك بالله.

فكان ذلك هو أول أصل من أصول المنهج، وتحقيق ذلك في حياة المسلم أمر لازم مهم في جميع أوقاته وأزمانه، ونجد الإشارة من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شهر شعبان، كما في الحديث عن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ ) (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني) .

فتدبر الحال ليلة النصف من شعبان... يطلع الله اطِّلَاعًا يليق بجلاله وعظمته إلى جميع الخلق، فتقع المغفرة لجميع الخلق؛ بشرط: تحقيق التوحيد وترك الشرك، وسلامة القلب؛ فهذه دعوة لإقامة التوحيد والإخلاص له -سبحانه- حتى تتحقق المغفرة.

أما عن الأصل الثاني: فهو الاتباع والاقتداء، والسير خلفه -صلى الله عليه وسلم- في أقواله وأفعاله وأخلاقه، ولا نتعدى ونتخطى سنته: ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (الحشر:7) ، ( وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ) (النور:54) .

آيات كثيرة في هذا المعنى، وفي الصحيح: ( كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى )، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: ( مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى ) (رواه البخاري) .

والاتباع ألا تقدِّم قولًا ولا رأيًا على رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا تجاوز فعله ولا تقصر عن هديه، بل كما قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم"، وقال الإمام أحمد: "عجبت لمَن ظهر له الإسناد يتركه ويذهب لقول سفيان!"، وكذا قال الإمام أبو حنيفة: "إذا صح الحديث فهو مذهبي"، وقال الإمام مالك: "كل يؤخذ من قوله ويرد عليه؛ إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:، وأقوال الأئمة في ذلك مشهورة ومعلومة؛ فقد وجهوا الناس أن يأخذوا من حيث أخذوا.

ولما وقع الخلاف في مسألة متعة الحج، قال ابن عباس: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كذا... فقال رجل: لكنَّ أبا بكر وعمر يقولان كذا... فقال ابن عباس: "يوشك أن تنزل علينا حجارة من السماء! أقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كذا... وتقولون: قال أبو بكر، قال عمر!

الصفحة التالية