شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

شهر شعبان وتحقيق أصول المنهج

حسن حسونة • التزكية

ونجد الإشارة في شهر شعبان إلى ذلك مِن خلال سؤال الصحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن أفعاله وأسبابها حتى يتم لهم الاتباع بنفس المنهج؛ فقد تتبعوا سكتاته وأفعاله وأقواله، وسألوه عنها؛ فأسامة بن زيد -رضي الله عنهما- يسأل رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- عن سبب كثرة صيامه في شعبان حتى يتم له الاتباع، ولا يتخطى هديه، فيجيبه النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ ) (رواه النسائي، وحسنه الألباني) ، وهو الرفع السنوي للأعمال؛ فهناك رفع أسبوعي يومي الاثنين والخميس، وهناك رفع يومي كما في حديث أبي موسى الأشعري وفيه: ( يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ ) (رواه مسلم) ، والرفع السنوي في شعبان.

والاتباع أيضًا كما في حديث تحويل القبلة -إن قلنا إنه في شعبان-: حيث قال الرجل الذي صلَّى مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تجاه البيت، أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تجاه البيت فأخذ الناس في الاتباع، وداروا وهم في صلاتهم متجهين إلى بيت الله الحرام.

فقضية الاتباع من أحسن ما يتميز به المحِب لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- محبة حقيقية ليست زائفة، والمبتدع الذي يقول بلسان حاله: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد قَصَّر في تبليغ الرسالة، فمِن ثَمَّ يريد أن يستدرك عليه بفعل البدع التي قال عنها النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ ) (رواه مسلم) ، فلو أحب المبتدعُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- لاتبعه.

أما عن الأصل الثالث: فهو التزكية، قال الله -تعالى-: ( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا . فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا . قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا . وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ) (الشمس:7-10) ، فتزكيتها بالتوحيد والعمل الصالح، تزكيتها من الأخلاق المذمومة والأفعال الرديئة والمعاملات الخبيثة.

يزكي نفسه بالعبادات؛ فرائض ونوافل ليصل إلى محبة الله.

يزكيها بالأخلاق الفاضلة من: الصدق والأمانة، والورع والسخاء، والإيثار، وغيرها.

يزكيها بالمعاملات الصادقة في البيع والشراء، والماليات، ونحوها، والمسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، ولا يخذله، ولا يحقره.

وفي شعبان تتحقق التزكية من خلال الحديث الذي مرَّ بنا في قول النبي -صلى الله عليه وسلم- من أن الله يغفر لجميع أهل الأرض إلا المشرك والمشاحن، فالمشاحنة لم تأتِ إلا لعدم صفاء القلب وسلامة الصدر، قال الله مادحًا مَن جاء بعد المهاجرين والأنصار: ( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) (الحشر:10) .

ومعلوم لدينا: أن سلامة القلب والصدر مِن أسباب دخول الجنان، كما في شأن الرجل الذي أخبر عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه مِن أهل الجنة في ثلاثة أيام متتابعة ثم إن هذا الرجل أخبر عبدَ الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- أنه يبيت لا يحمل لأحدٍ من المسلمين غلًّا ولا حسدًا، فقال له: "هذه التي بلغت بك".

إذًا فموسم المغفرة لا يحصل إلا لمَن وَحَّد الله، وَسلَّم قلبه وصدره، فَزَكَّى هذه النفس، فَمِن خلال فضل شهر شعبان نحقِّق أصول المنهج السلفي: "التوحيد والاتباع والتزكية".

أسأل الله أن يستعملنا في طاعته وخدمة دينه، وأن يبلغنا رمضان غير فاقدين ولا مفقودين. آمين.

الصفحة السابقة