شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

معجزات النبي -صلى الله عليه وسلم- (4) (موعظة الأسبوع) من دلائل النبوة في المرحلة المكية

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة:

- تذكير بما سبق مِن أن الله أجرى على يد أنبيائه ورسله من المعجزات والدلائل القاطعات، ما يدل على صدقهم، ولكي تقوم الحجة، فلا يبقى لأحدٍ عذر في عدم تصديقهم وطاعتهم: قال -تعالى-: ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ ) (الحديد:25) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مَا مِثْلهُ ‌آمَنَ ‌عَلَيْهِ ‌البَشَرُ ) (رواه البخاري) .

- الإشارة إلى أننا لا زلنا نتحدث عن بعض المعجزات خلال الفترة المكية.

1- انقطاع الكهانة وحراسة السماء بالشهب عند بعثته -صلى الله عليه وسلم- (1) :

- كانت الجن قبل مبعث النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- يسترقون السمع من السماء، فيلقون ما يسمعون إلى أتباعهم من الكهنة، فلما بعث الله نبيه محمدًا -صلى الله عليه وسلم-، حفظ الله السماء من الشياطين، وجعل عقاب مَن يحاول ذلك منهم إرسال الشهب عليه لتحرقه: قال -تعالى- عنهم: ( وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا . وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا ) (الجن:8-9) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( ‌المَلَائِكَةُ ‌تَتَحَدَّثُ ‌فِي ‌العَنَانِ -وَالعَنَانُ: الغَمَامُ-، بِالأَمْرِ يَكُونُ فِي الأَرْضِ، فَتَسْمَعُ الشَّيَاطِينُ الكَلِمَةَ، فَتَقُرُّهَا فِي أُذُنِ الكَاهِنِ كَمَا تُقَرُّ القَارُورَةُ، فَيَزِيدُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذِبَةٍ ) (رواه البخاري) ، وعن ابن عباس قال: "إن الجن يصعدون إلى السماء يستمعون الوحي، فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعًا، فأما الكلمة فتكون حقًّا، وأما ما زادوه فيكون باطلًا، فلما بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منعوا مقاعدهم، فذكروا ذلك لإبليس -ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك- فقال لهم إبليس: ما هذا إلا من أمر قد حدث في الأرض، فبعث جنوده، فوجدوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائماً يصلي بين جبلين -أراه قال: بمكة- فلقوه فأخبروه، فقال: هذا الحدث الذي حدث في الأرض" (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

2- حماية الله له من مكايد المشركين لقتله -صلى الله عليه وسلم- بآيات خارقة (2) :

- حفظه -صلى الله عليه وسلم- مِن محاولة أبي جهل قتله وهو يصلي: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قالَ أَبُو جَهْلٍ: هلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ قالَ فقِيلَ: نَعَمْ، فَقالَ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذلكَ لأَطَأنَّ علَى رَقَبَتِهِ، أَوْ لأُعَفِّرَنَّ وَجْهَهُ في التُّرَابِ، قالَ: فأتَى رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهو يُصَلِّي، زَعَمَ لِيَطَأَ علَى رَقَبَتِهِ، قالَ: فَما فَجِئَهُمْ منه إلَّا وَهو يَنْكُصُ علَى عَقِبَيْهِ وَيَتَّقِي بيَدَيْهِ، قالَ: فقِيلَ له: ما لَكَ؟ فَقالَ: إنَّ بَيْنِي وبيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِن نَارٍ وَهَوْلًا وَأَجْنِحَةً. فَقالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( لو دَنَا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ المَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا ) (رواه مسلم) .

- حفظه -صلى الله عليه وسلم- من محاولة اعتداء امرأة أبي لهب عليه: عن أسماء بنت أبي بكر الصديق -رضي الله عنهما- قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَت: ( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ ) (المسد:1) ، أَقْبَلَتِ الْعَوْرَاءُ أُمُّ جَمِيلِ بِنْتُ حَرْبٍ وَلَهَا وَلْوَلَةٌ، وَفِي يَدِهَا فِهْرٌ، وَهِيَ تَقُولُ: مُذَمَّمًا أَبَيْنَا، وَدِينَهُ قَلَيْنَا، وَأَمْرَهُ عَصَيْنَا. وَالنَّبِيّ -صلى الله عليه وسلم- جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا رَآهَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ أَقْبَلَتْ وَأَنَا أَخَافُ أَنْ تَرَاكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّهَا لَنْ تَرَانِي ) وَقَرَأَ قُرْآنًا فَاعْتَصَمَ بِهِ كَمَا قَالَ -تعالى-: ( وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا ) (الإسراء:45) ، فَوَقَفَتْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَلَمْ تَرَ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَتْ: يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّ صَاحِبَكَ هَجَانِي. فَقَالَ: لاَ وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ مَا هَجَاكِ. فَوَلَّتْ وَهِيَ تَقُولُ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي بِنْتُ سَيِّدِهَا" (رواه ابن حبان، والحاكم، وصححه الألباني) .

قال ابن حجر -رحمه الله-: "يُقال: إن اسمها أروى والعوراء لقب، ويقال: لم تكن عوراء؛ وإنما قيل لها ذلك لجمالها" (فتح الباري) .

- تنبيه: قد يورد بعض الناس، بأن الحفظ لماذا لم يشمل عموم الأذى، كحفظه مِن إلقاء سلا الجذور عليه -صلى الله عليه وسلم-، أو إلقاء التراب على رأسه ونحو ذلك.

والجواب: أن هذه الأمور جَرَت عليه ليكون قدوة للناس في تحمُّل الأذى في سبيل الله.

3- إخباره -صلى الله عليه وسلم- بنقض صحيفة قريش الظالمة بإرسال الأرضة عليها:

- إخباره -صلى الله عليه وسلم- بأن الأرضة قد نقضت صحيفة الظلم والحصار، وهو أمر غيبي لا يعلمه إلا الله: قال -تعالى-: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ ‌لِيُطْلِعَكُمْ ‌عَلَى ‌الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا ) (آل عمران:179) .

قال المباركفوري -رحمه الله- في روضة الأنوار: "زادت حيرة المشركين إذ نفدت بهم الحيل، ووجدوا بني هاشم وبني عبد المطلب مصممين على حفظ النبي -صلى الله عليه وسلم-، فاجتمعوا على مقاطعة بني هاشم وبني عبد المطلب، وفرضوا عليهم حصارًا استمر زمنًا، لا يبايعونهم ولا يناكحونهم، ولا يخالطونهم، ومنعوا عنهم كل شيء تقريبًا، حتى يسلموا إليهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليقتلوه، وكتبوا بذلك صحيفة علَّقوها في جوف الكعبة، فجهد القوم حتى أكلوا أوراق الشجر، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على رغم ذلك مستمرًا في دعوته إلى الله، ولا سيما في أيام الحج.

الصفحة التالية