معجزات النبي -صلى الله عليه وسلم- (4) (موعظة الأسبوع) من دلائل النبوة في المرحلة المكية
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
ثم إن القوم قد حدث بين أشرافهم خلاف في الاستمرار في ذلك، فجاءهم أبو طالب وهم على خلافهم، وقال لهم: "إن ابن أخي أخبرني، أن الله سلَّط على صحيفتكم أرضة الأرض، فأكلت ما فيها من جور وقطيعة وظلم، ولم تترك إلا ذكر الله". وقال بعد ما أخبرهم بذلك: "فإن كان كاذبًا خلينا بينكم وبينه، وإن كان صادقًا رجعتم عن قطيعتنا وظلمنا". فقاموا إلى الصحيفة فوجدوها قد أكلتها الأرضة إلا: "باسمك اللهم" وما فيها مِن اسم الله، فكان ما أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم- آية من آيات الله رآها المشركون بأعينهم، لكنهم لم يزالوا مسترسلين في الغي، وأما الحصار فقد انتهى بعد ذلك، وخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومَن معه مِن الشِّعْب" (روضة الأنوار في سيرة النبي المختار للمباركفوري باختصارٍ يسيرٍ) .
4- نزول ملك الجبال إليه -صلى الله عليه وسلم- وعرضه تحريك جبلي مكة وسحق المشركين بينهما انتقاماً له -صلى الله عليه وسلم-:
- كان ذلك مواساة للنبي -صلى الله عليه وسلم- بعد تكذيب أهل الطائف -ومِن قبلهم أهل مكة- لدعوته -صلى الله عليه وسلم- وإيذائه: عن عائشة -رضي الله عنها- أنَّها قالَتْ للنبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: هلْ أتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كانَ أشَدَّ مِن يَومِ أُحُدٍ؟ قالَ: ( لقَدْ لَقِيتُ مِن قَوْمِكِ ما لَقِيتُ، وكانَ أشَدَّ ما لَقِيتُ منهمْ يَومَ العَقَبَةِ، إذْ عَرَضْتُ نَفْسِي علَى ابْنِ عبدِ يالِيلَ بنِ عبدِ كُلالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إلى ما أرَدْتُ، فانْطَلَقْتُ وأنا مَهْمُومٌ علَى وجْهِي، فَلَمْ أسْتَفِقْ إلَّا وأنا بقَرْنِ الثَّعالِبِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فإذا أنا بسَحابَةٍ قدْ أظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فإذا فيها جِبْرِيلُ، فَنادانِي فقالَ: إنَّ اللَّهَ قدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وما رَدُّوا عَلَيْكَ، وقدْ بَعَثَ إلَيْكَ مَلَكَ الجِبالِ لِتَأْمُرَهُ بما شِئْتَ فيهم، فَنادانِي مَلَكُ الجِبالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ، فقالَ: ذلكَ فِيما شِئْتَ، إنْ شِئْتَ أنْ أُطْبِقَ عليهمُ الأخْشَبَيْنِ؟ فقالَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: بَلْ أرْجُو أنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِن أصْلابِهِمْ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ، لا يُشْرِكُ به شيئًا ) (متفق عليه) (3) .
خاتمة:
- كانت معجزات النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذه المرحلة؛ لبيان دلائل نبوته -صلى الله عليه وسلم- لقومٍ يكذبون بها، وقد ختمت الفترة المكية بالمعجزة الكبيرة، وهي: "رحلة الإسراء والمعراج".
وهذا ما يأتي عليه الحديث في المرة القادمة -إن شاء الله-.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الإشارة إلى اختلاف العلماء في استراق السمع من الجن قبل مبعث النبي -صلى الله عليه وسلم-، هل كانوا يُرمَون بالشهب؟ على قولين.
(2) الإشارة إلى اجتماع المشركين في دار الندوة، وتشاورهم في كيفية القضاء على الدعوة الجديدة، وحضور الشيطان في صورة الشيخ النجدي، واستقرارهم بعد مشاوراتٍ كثيرةٍ على قتل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن طريق جماعة من شباب القبائل كلها، يضربونه ضربة رجل واحد، وهو خارج من بيته، ليتفرَّق دمه بين القبائل، فلا تقدر بنو هاشم على الثأر، وتقبل الدية.
(3) فائدة: حول قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( بَلْ أرْجُو أنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِن أصْلابِهِمْ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ، لا يُشْرِكُ به شيئًا ).
قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: "في هذا الحديث: بيان شفقة النبي -صلى الله عليه وسلم- على قومه، ومزيد صبره وحلمه، وهو موافق لقوله -تعالى-: ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ) (آل عمران:159) ، وقوله: ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ) (الأنبياء:107)" .