شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

ملخص كتاب: "تنظيم الأسرة وتنظيم النسل" للعلامة الأزهري "محمد أبو زهرة" (2)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المرأة والأسرة

الرِّقَابَة السابقة على قيود تعدُّد الزوجات في ضَوْء الشَّرْع والعَقْل والقواعد القانونية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

تمهيد:

هذا هو الجزء الثاني من تلخيص كتاب: "تنظيم الأسرة وتنظيم النسل" للعلامة الأزهري "محمد أبو زهرة" -رحمه الله تعالى-، وقد اخترتُ له عنوان: "الرقابة السابقة على قيود تعدد الزوجات في ضَوْء الشَّرْع والعَقْل والقواعد القانونية".

وهذا لكي أضع للقارئ أهمَّ فائدة وردتْ في كلام العلامة "أبو زهرة" في مناقشته الماتعة لمقترحات الجمعيات النسوية منذ زمن الاحتلال الإنجليزي حتى زمانه -رحمه الله-، وبالطبع حتى زماننا.

وهي دعوات تصل أحيانًا إلى حدٍّ شَائِن جدًّا: كالدعوة إلى تجريم التعدُّد أصلًا، ومما يزيدها شناعة وظلمًا: أنها أحيانًا تصدر ممَّن يرى حرية الزنا -والعياذ بالله-، ولكنها في الأعم الأغلب "لا سيما في البلاد التي لم تعمل فيها معاول الهدم التغريبية أثرها الكامل، مثل: مصر بلد الأزهر"، تنطلق مِن مطالب تبدو شرعية بتحقيق ما علَّق الله عليه إباحة التعدد، وهو: القدرة والعدل بين الزوجات؛ متناسين أن هذه الشروط شروطٌ في كل زواج حتى مع الزوجة الأولى، فلا بد من القدرة، ولا بد من العدل معها، والعدل معها أعم مِن العدل بينها وبين ضرائرها، وكم مِن امرأة ليس لها ضَرَّة وزوجها ظالم لها بأشد أنواع الظلم.

وهذا الخطاب بألا يُقْدِم على الزواج إلا مع الباءة، وأن يعدل في معاملته لزوجته يبقى خطابًا تكليفيًّا، يجب أن يحض عليه أئمة المساجد والعلماء في وسائل الإعلام وتُربِّي الأسرة أبناءَها عليه، ويتوسمه كل ولي لمَن يتقدَّم للزواج ممَّن تحت ولايته (وهذا أحد حِكَم جعل الزواج بيد الولي مع اشتراط رضا المرأة بلا شك، وهو أمر تنفر منه هذه الدعوات النسوية جهلًا بالحكمة منه أو تقليدًا للغرب).

ولا يتحول هذا الأمر إلى ساحة المحاكم إلا عندما يحدث خللٌ بالفعل من الزوج؛ هذا في الزواج الأول، والأمر عند التعدُّد لا يخرج عن هذا إلا في إضافة باب جديد يجب أن يعدل فيه مَن يتزوج بأكثر من واحدة، وهو العدل بينهن.

فبأي منطق شرعي أو عقلي أو قانوني تنادي كل هذه الجمعيات عبر التاريخ بما يمكن أن نصطلح على تسميته: بالرقابة القانونية السابقة على قدرة الزوج وعدله بين نسائه؟!

وبأي منطق سياسي ينادي نفس مَن يدعون الدولة إلى أن تنسحب مِن الاقتصاد تاركة إياه لقواعد السُّوق الحر، بينما يطالبون الدولة أن تتدخل ممثلة في مجالسها التشريعية ثم ساحتها القضائية ثم جهاتها التنفيذية بالتبع، لا لكي ترد الحق إلى مظلوم أو مظلومة، ولكن لكي تفتِّش في مدى استعداد شخص لكي يؤدي ما عليه من حقوق، مع أن هذا الإثبات لحسن نيته، ثم لنجاحه بالفعل في أداء هذا الحق يكاد يكون متعسرًا، بل هو متعسر بالفعل!

ولماذا يختص هذا الأمر مِن بين كل المباحات الشرعية بوجوب تلك الرقابة القانونية، طالما أننا بالفعل نسلِّم لحكم الله بإباحته، وهل هذا أفضل للمجتمع أم لا؟

وهل هذا هو الأفضل للرجل الذي يرغب في الزواج من أخرى رغم ما يتحمله في هذا الزواج مِن تبعات مما يعني وجود دوافع حقيقية له للزواج من أخرى بصفة عامة أو من امرأة بعينها؟!

فهل يوافق الشرع والعقل أن نضيِّق عليه سُبُل الحلال؟!

وهل يكون نتيجة هذا إلا فتح سُبُل الحرام؟!

ثم لماذا يقال: إن هذا مِن اجل مصلحة المرأة؟! بينما هو لا ينظر إلا إلى مصلحة فريق من النساء، وهن المتزوجات أو اللاتي يرغب فيهن الخُطَّاب، بينما يكاد يُغلق الباب على كثيرٍ مِن النساء من المطلقات والأرامل مما لا يكدن يَرغب فيهن إلا مَن يريد زوجة ثانية، فتلتقي إرادة رجل يرغب في ثانية مع امرأة ترى في هذا الرجل بعينه صفاتٍ تجعلها تراه جديرًا بالزواج منه، ولو لم يكن خالصًا لها.

وربما لا تجد مَن يتخذها زوجة أولى -وهي مطلقة وأرملة-، وربما تكون هي الأخرى غير خالصة لهذا الزوج ولأبنائهما إن رزقا بعد بأبناء؛ لأن معها أولاد مِن طليفها أو مِن زوجها الذي تُوفِّي عنها.

ولماذا لا نترك الأمر مباحًا كما أباحه الله، وعندما يظلم أو يجور الرجل تشتكيه مَن ظلمت أو ظُلمن مِن زوجاته كما تفعل الزوجة التي لا ضَرَّة لها؟!

هذه هي الفكرة التي يعالجها العلامة "أبو زهرة" في هذا الفَصْل مِن الكتاب؛ فأردت أن أقدِّمَ توضيحًا بين يدي كلامه؛ لأفي بشرطي أن يكون الكلامُ للشيخ -رحمه الله-، مع بعض الاختصارات، ولكن دون إضافات.

قال -رحمه الله-:

"تعدد الزوجات

تعدد الزوجات كان هو النظام السائد إلى ما قبل الإسلام؛ فالفرس والرومان وغيرهم كانوا يعددون الزوجات، ولم يعرف أن أمة في القديم منعت التعدد إلا مصر، ولكنها كانت تتحلل مِن القيد المانع بجعل مَن يجئن بعد الأولى في منزلة دونها.

والتوراة جاءت مبيحة للتعدد بغير عددٍ، وكانت تذكر الأنبياء الذين عددوا الزوجات مِن غير قدْر محدود كما تذكر غيرهم. وجاء بعض المفسرين فقيَّدوا العدد بثماني عشرة امرأة على أنه حدٌّ أعلى.

والإنجيل ليس فيه نصٌّ على منع التعدد، وكان مباحًا إلى أن منعته الكنيسة في القرون الوسطى، وكانت ترخِّص به أحيانًا لبعض كبار الملوك أو الأمراء.

وجاء الإسلامُ في وسطِ إباحةٍ للتعدُّدِ مطلقةٍ عند: الفُرْس، والرُّومان، والعَرَب، وغيرهم، وهو أول شريعة صَرَّحَت تصريحًا قاطعًا بأن المرأة لها من الحقوق بقدْر ما عليها مِن واجبات؛ إذ قال -سبحانه-: ( ‌وَلَهُنَّ ‌مِثْلُ ‌الَّذِي ‌عَلَيْهِنَّ ‌بِالْمَعْرُوفِ ‌وَلِلرِّجَالِ ‌عَلَيْهِنَّ ‌دَرَجَةٌ ) (البقرة:228) ، فمَنَع التعدد إلا بعددٍ محدودٍ، فقال -تعالى-: ( ‌وَإِنْ ‌خِفْتُمْ ‌أَلَّا ‌تُقْسِطُوا ‌فِي ‌الْيَتَامَى ‌فَانْكِحُوا ‌مَا ‌طَابَ ‌لَكُمْ ‌مِنَ ‌النِّسَاءِ ‌مَثْنَى ‌وَثُلَاثَ ‌وَرُبَاعَ ‌فَإِنْ ‌خِفْتُمْ ‌أَلَّا ‌تَعْدِلُوا ‌فَوَاحِدَةً ‌أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا . وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ) (النساء:3-4) .

الصفحة التالية