ملخص كتاب: "تنظيم الأسرة وتنظيم النسل" للعلامة الأزهري "محمد أبو زهرة" (2)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المرأة والأسرة
ونرى أن هذا النصَّ جاء في بيان أحكام الزواج والمهور، وبعد ذكر لأحكام اليتامى، فقال -تعالى-: ( وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ) (النساء:6) .
فالكلام في اليتامى والزواج، وليست الآية الكريمة الخاصة بإباحة التعدد مقحمة، بل الآيات كلها مِن أول السورة إلى قوله -تعالى-: ( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ) (النساء:36) ، في شأن الأسرة.
وإذا كان الكلام في الأسرة، فالكلام بالنسبة للتعدد في موضوعه، ولكن قالوا كيف تجيء إباحة التعدد في صيغة شرطية من جواب شرط لخوف القسط في اليتامى؟ ونقول في الإجابة عن ذلك: إن المفسرين تكلموا عن ذلك.
وانتهوا إلى رأيين واضحين:
أولهما: أن بعض الأولياء كانوا يتزوجون يتامى في ولايتهن: كابن العم يتزوج ابنة عمه، ولا يعطيها مهرها، فنهوا عن ذلك، وقال -سبحانه-: ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ) إلى آخر النص. والمعنى: اعدلوا مع اليتامى النساء اللاتي في ولايتكم إذا أردتم الزواج منهن، فإن خفتم ألا تعدلوا فالنساء أمامكم انكحوا ما طاب... ويؤيد ذلك التخريج: قوله -سبحانه وتعالى- بعد ذلك: ( وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ ) (النساء:4) .
والتخريج الثاني هو ما قاله الزمخشري، وهو: أن الآية تطالب بالعدالة مع النساء، فالمعنى: وإن كنتم تخافون ألا تقسطوا مع اليتامى في المعاملة، فخافوا: ألا تقسطوا مع النساء ( فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ) إلى آخر الآية.
ومهما يكن من أمر التخريج، فالآية صريحة في أنه يُبَاح التعدُّد إلى أربع، والنص قَاطِع في ذلك، وقد وضحته السُّنة العملية المُتَوَاتِرَة، والسُّنَّة الإقرارية المتواترة، وانعقد إجماع المسلمين على ذلك، حتى كاد يكون من المعلوم من قواعد الإسلام بالضرورة لا يرتاب فيه مرتاب، ولم يُثر حوله غبار؛ إلا ما جاء بعد ذلك في القرن الأخير في الإسلام.
ولكنهم يقولون: إن إباحة التعدد مقيَّد بشرطين (1) :
أولهما: عدم خوف العدالة.
ثانيهما: خشية الإهمال؛ لذا قال -تعالى-: ( ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا ).
وقال -سبحانه وتعالى- في آية أخرى: ( وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ) (النساء:129) ، وبمجموع النصين ننتهي إلى أن تعدد الزوجات ممنوع.
وبالنسبة للجزء الأول من السؤال نقول: "إن كل زواج قد شرطت إباحته بالقدرة على العدالة والإنفاق؛ فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما طلب من الشباب أن يتزوج: ( يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ ) (وهو حديث متفق عليه) . والباءة: تكاليف الزواج ونفقاته؛ فهو لا يباح إلا لمَن يكون قادرًا على تكاليف الزواج ونفقاته، والعدالة مطلوبة في كل الأحوال في الزواج وفي غيره، في التعدد وفي غيره، والظلم لا يباح في حال من الأحوال ولا يمكن أن يباح في الزواج بزوجة، ويمنع عند التعدد. ولقد أجمع الفقهاء على أن زواج مَن يتأكد أنه سيظلم إن تزوج يكون حرامًا.
ولم نجد أن قانونًا مِن قوانين العالم، أو نظامًا في أي دِينٍ من الأديان، اشترط للإذن بالزواج إثبات العدالة أو إثبات عدم الخوف من العدالة!
إن ذلك يكون أمرًا غريبًا إذا وجد في أي قانون، ولو كان في أوروبا أو إفريقيا، فكيف نتصوره في قانون إسلامي نابع في ظل الأحكام الإسلامية؟!
إنما الطلب بالعدالة والقدرة على الإنفاق طلب ديني، ولا يمكن أن يتحول إلى طلب قانوني يطبقه القضاء:
أولًا: لأنه جعل الأساس الخوف مِن عدم العدل، والخوف أمر نفسي، والأمر النفسي لا يجوز أن ينتقل من نطاق النفس والقلب والتأثم أمام الله إلى نطاق التقاضي.
ثانيًا: أن القضاء إذا تدخل إنما يكون لإبطال العقد أو لفسخه وذلك لا يكون إلا لظم واقع لا لظلم متوقع، لأن القضاء يدفع الظلم النازل ولا يتجه إلى النظر في الظلم المحتمل الوقوع، والظلم عند الإنشاء على فرض سلامة الموضوع ظلم متوقع وليس بواقع، وقد يكون محسا بأنه سيظلم ثم يفيض الله عليه فيكون عادلا، وقد يكون عادلا في الابتداء فيركسه الله تعالى في الظلم. وقد فتحت القوانين والفقه الصدور للتفريق بين الظالم وزوجته.
ثالثًا: والقدرة على الإنفاق بأي قدرٍ تكون؛ أتكون على حسب اليسار أم الإعسار، وإن ارتضى بالإعسار في سبيل نفع لهما أو دفع فساد عنهما أو ليعيشا في نطاق الحلال وارتضيا ذلك، أيجيء القانون ويقول: إني أتدخل؟! ولمصلحة مَن يتدخل، قد نقبل في سبيل تنفيذ الشرع ودفع الفساد أن تطلب التفريق هي إذا لم ترضَ الحياة الجديدة إذا اشترطت عند إنشاء العقد أو لم تشترطه؛ لأنه يكون في حكم المشروط، ولأنه قد يضرها فتطلب التفريق لهذا الضرر.
وأما التوفيق بين آية الآمر بالعدالة والآية الثانية؛ فهو أن الأمر في العدالة الظاهرة، والثانية في العدالة الباطنة، وهي المحبة وقد رخَّصت الآية في عدم التمسك بها؛ ولذا قال -تعالى-: ( وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ ) (النساء:129) ، والنبي -صلى الله عليه وسلم- كان يعدل بين أزواجه في قسمه، وكان يقول: "اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي، فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي، فِيمَا تَمْلِكُ، وَلَا أَمْلِكُ" (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، بسندٍ ضعيفٍ) .
مطالب المؤتمر النسائي (2)
طالب المؤتمر النسائي بأمرين: