ملخص كتاب: "تنظيم الأسرة وتنظيم النسل" للعلامة الأزهري "محمد أبو زهرة" (2)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المرأة والأسرة
وفي الحال الثانية تقبل المرأة الزواج مِن الرجل لمصلحة تبتغيها، أو لضرورة دافعة، وإذا لم يكن الإذن قد تستمسك بأهداب الصبر، ولكنها تعرض نفسها للاضطراب وأعصابها للفساد، وأنوثتها للذبول، وتعيش عل الأقل تائقة، ولكنها غير واجدة، ولا شك أنها مع كل هذا تتعرض للتردي في الهاوية التي تعرضت لها المرأة في الحال الأول.
وفى الحالين: نرى أن ضررَ المنع من التعدد بالنسبة للمرأة المحرومة أشد مِن ضرر المرأة التي تجد امرأة أخرى تشاركها في زوجها؛ إذ إن ضرر الزوجة الأولى أقل بكثير من ضرر الممنوعة؛ لأن ضرر الأولى نفسي سهل الاحتمال قصير الأمد، وضرر الثانية صعب الاحتمال يؤدي إلى السقوط وسوء العاقبة، وفقد كرامة الأنوثة أو موتها.
هذه مقدمات منطقية سليمة، ونتائج بدهية يقرها أهل العقول، ولكن الذين يريدون تقييد الزواج الثاني يريدون أن تكون المرأة المسلمة كالمرأة الأوربية في تفريطها في كرامتها، وإفراطها في شهوتها، ولا يبالون أن تكون حصانًا رزانًا أو تكون متفحشة تتنقل بين مضاجع الرجال، تعرض جسدها في هوان.
إن منع التعدد فيه مضرة بالمرأة في جملة عددها بلا ريب في ذلك، ولو أنه لا يوجد مِن النساء مَن لا مصلحة لها حقيقة في الزواج ما وجد التعدد في ذاته.
ولنأتي بمثل حسي: امرأة استهواها رجل واستهوته، وقام بينهما حب من نوع الحب الذي يروِّج كُتَّاب المسرح والقصص له، وأراد الزواج منها وأرادته؛ لأنه كان بينهما ما يقتضي تصحيح الوضع بما يمنع كرامة المرأة من الانهيار: أنمنع هذا الزواج؛ لأن القاضي لا يوافق عليه، إذ إن مبعثه هو الشهوة، وبذلك تستمر المرأة في غيها وتنهوي في الرذيلة إلى أقصى حدود الانزواء أم تمنع الاسترسال في التحدر إلى بطن وادي الرذائل والشهوات؟!
إن المنطق يدعو إلى أن منعَ التعدد يسقط في الهاوية، ومنطق الذين لا يقدرون شرع الله -تعالى- حق قَدْره يقول: اتركوها حتى تنحدر إلى الهاوية مراعاة لشعور الزوجة المتربعة على عرش الزوجية التي لا تريد أن يشاركها فيه غيرها، ومِن بعدها الطوفان!
لقد تهجَّم أولئك على الشرع وفسروه بأهوائهم، لا بعقولهم، وبتفكير كنسي "لا بتفكير إسلامي"، لقد قالوا: إن القرآن الكريم عندما أباح التعدد قيده بقيدين: أولهما: العدالة، وثانيهما: القدرة على الإنفاق، فقد قال -تعالى-: ( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا . وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً )، ثم قالوا: إن العدالة غير ممكنة، كما قال -تعالى-: ( وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ).
وفي الحق: أن العدالة والقدرة على الإنفاق شرط في كل زواج، ولو كان الأول -كما بيَّنَّا-، وقد اتفق على ذلك كل الفقهاء؛ فهل تريدون ألا يوجد أي زواج إلا بإذن القاضي، وللقاضي أن يأذن أو لا يأذن؟!
ألا فلتعلموا: أن هذا شرط ديني لا يطبقه القضاء -كما بيَّنَّا-، فمَن تزوج وهو يعلم أنه لا يعدل، أو ليست عنده قدرة على الإنفاق فزواجه صحيح من الناحية القضائية العملية، ولكنه آثم أمام الله -تعالى- إن لم يعمل على جلب القوت لأهله، وعلى تقويم نفسه، وتهذيبها، والعقود لا تفسد لأمورٍ متوقعة، قد تقع وربما لا تقع، ولكن يفسد لأمور واقعة، وقد وضحنا ذلك في صدر كلامنا على التعدد.
والعدالة المطلوبة عند تعدد الزوجات هي حسن العشرة المطلوبة في كل زواج، والمساواة بين الزوجات في المظاهر المادية دون النواحي النفسية؛ ولذلك قال أعدل البشر في قسمه بين زوجاته: "اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي، فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي، فِيمَا تَمْلِكُ، وَلَا أَمْلِكُ"، وما يملكه الله -تعالى- ولا يملكه العبد هو المحبة القلبية، وهي غير مطلوبة، وإلا اتُّهِمَ محمدٌ أعدل البشر بما لا يليق به، والعدالة النفسية أو العدالة في المحبة هي المنفية في قوله -تعالى-: ( وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ )؛ ولذلك كان ثمة ترخيص في تركها ما دامت غير مستطاعة، فقال: ( فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ )، فالذين فهموا أنها تنفي العدالة الأولى لم يذوقوا طعم البلاغة القرآنية، ولا نَسَق القرآن البياني.
وقبل أن ننتهي من هذا الموضوع نقرر: أن الذين تهجموا على التعددِ نسوا أن التعددَ كان في عهد السلف الصالح، وفيهم الأبرار الأتقياء ولم يكونوا يستأذنون قاضيًا؛ فكيف يتخلصون من هذا؟!
يقولون: إنهم لم يفهموا القرآن كما فهمه دُعَاة النظام الكنسي!
لقد قالوا: إن السلفَ الصالح كانوا يعددون الزواج لمصالح يبتغونها، وكانوا عدولًا، والذين يجمعون الآن بين أكثر من زوجة يجمعون لأجل الشهوة، ومعقول أن يقبل التعدد من السلف، للمصلحة التي أرادوها، ولا يقبل، بل يُمنَع مِن الخَلَف للشهوة التي خضعوا لها.
ونقول في الجواب عن ذلك: إنه لم يَثْبُت عن السلف أن أحدًا عدَّد لغير الشهوة إلا النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فهو وحده الذي قام الدليل على أن تعدد الزوجات منه كان لمصالح واضحة مؤكدة لا لشهوة مطلقًا، والباقون لا يوجد دليل على أنهم لم يبتغوا الشهوة الحلال التي لا إثم فيها ولا ظلم.
وهَبِ الخَلَف لا يعدِّدون إلا للشهوة، وهو ما نسلِّم به في أكثره، فهل يُمنَع التعدُّد لهذا، ونبيح له أن يلقي شهوته في معاطن الحرام، ويفسد النساء؟!
وهل ذلك يكون إصلاحًا؟!
إنه لا شك أن إلقاء الشهوة في حلالٍ يُقَام به بيت زوجية خيرٌ مِن إلقائها في أبواب الفساد، وإن الذين يريدون مجتمعًا تسوده الفضيلة، ومصلحة المرأة، يرون التعدد أوْلَى بالأخذ مِن ترك الشَّهَوَات في أَعِنَّتِها، والله -تعالى- حافظ شرعه".
وللحديث بقية -إن شاء الله-.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الإشارة إلى احتجاج مَن يقولون: إن التعدد مباح، ولكنه مقيَّد بشرطين، ويخلصون من هذا: أنه في حكم الممنوع. والجواب عليه قد لَخَّصْناه في مقدمة المقالة.