ملخص كتاب: "تنظيم الأسرة وتنظيم النسل" للعلامة الأزهري "محمد أبو زهرة" (2)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المرأة والأسرة
أولهما: ألا يعقد الزواج أو يسجل إلا بإذنٍ مِن القاضي، وأن يمنع القضاة مِن الإذن لغير القادر على القيام بحسن العشرة والإنفاق على أكثر ممَّن في عصمته، ومَن تجب نفقته عليهم من أصوله وفروعه على أن تكون هناك ضرورة لهذا الزواج يقدرها القاضي بقدرها.
ثانيهما: أنه إذا تزوج الرجل على زوجته حق لها أن تطلب فسخ زواجها ما لم ترضَ بزواجه الجديد، ويتجدد حقها في طلب الفسخ كلما تزوج بأخرى، وإذا كانت الزوجة الجديدة لا تعلم أنه متزوج حق لها أيضًا أن تطلب الفسخ؛ هذه هي التوصية الأولى، وهي أولى التوصيات الصريحة.
ويُلَاحَظ في صياغتها أمران غريبان:
أولهما: أنه اشترط أن يكون العقد أو التسجيل بإذن القاضي، أما التسجيل فقد نقول: إنه لم يتعرض لصحة العقد؛ لأن توثيق العقد غير صحته، فاشتراط إذن القاضي للتسجيل لا شيء فيه من حيث الصحة، وإن كان فيه كل العيوب من حيث النتيجة (3) ، ولكن اشتراط الإذن لأجل الصحة، لا مجرد توثيقه فيه بدعة في الإسلام، أو فيه أمر عجيب يؤدي إلى فساد؛ لأنه يؤدي الكلام إلى أن إذن القاضي شرط لصحة العقد شرعًا مع أن العقد في ذاته صحيح من كل الوجوه، وإنه إذا أبطله حاكم لعدم صحته، وهو لا يملك أن يجعل العقد الصحيح المنتج لآثاره شرعًا فيما يتعلق بالحلال والحرام غير صحيح؛ إذ إن صحة الزواج وبطلانه لا تكون إلا مِن الله العلي القدير، فمَن ذا الذي يحل ما بين الزوجين بكلمته غير الله.
وهَبِ الحاكم لم يعترف بصحة هذا الزواج، وهو أمر غريب لم يصدر في مشروعات القوانين السابقة، فهل تبقى المرأة التي تزوجها معلقة بحكم هذا العقد، لا هي زوجة، ولا هي خالية، ولا تستطيع أن تتزوج رجلًا آخر؛ لأنها بحكم الشرع في عصمة زوج، أفيسوغ للمتزوجة بعقد شرعي صحيح أن تتزوج؟! هذا تفكير غريب، وهو تفكير مَن لم يراعِ حرمة الأحكام الشرعية، وهو أشد غرابة في مصر حيث العِلْم، وحيث الأزهر، وحيث يكون على رأس الدولة حاكم مسلم لا يريد أن يخرج في أمر الأسرة عن أحكام الإسلام قط.
الأمر الثاني: أن القاضي ممنوع مِن الإذن؛ إلا إذا أثبت أنه قادر على القيام بحسن العشرة، وكيف يثبت هذا! أيثبته بشهادة إدارية من القسم، أو من اثنين من الموظفين بأنه حسن السير والسلوك، إن هذا تفكير غريب أيضًا، ولا يمكن أن يصدر إلا عن عقول لا ترعى ما أحل الله -تعالى-، ولا ترعى شرعه، ولكنها تريد فقط أن تحرم تعدد الزوجات، كما حرمته الكنائس.
وكان الأمر العجيب بعد هذا: أن يشترطوا مع الشروط السابقة أن تكون هناك ضرورة يقدِّرها القاضي، فهل يكون من الضرورات أن يكون الرجل تغلب عليه شهوته الجنسية، وأنه ثبت أن امرأة واحدة لا تكفيه؟ يظهر أنهم في هذه الحال يبيحون الزنا، ولا يبيحون التعدد؛ لأن التعدد في ذوقهم وفي زعمهم الفاسد أكثر شرًّا وأعظم وبالًا؛ لأنه لا يقرِّب مِن نُظُم الغَرْب الخَاضِعَة للكنائس.
وقبل أن نخوض في فكرة منع التعدد والباعث، نقرر: أنه لا مانع عندنا من قبول الفكرة الثانية، وهي: أن يكون للزوجة الأولى حق طلب الفسخ إذا تزوج عليها، ونزيد عليها أنه يجب أن تشترط ذلك في العقد ويكون مأخوذًا من مذهب إمام دار السلام الإمام أحمد -رضي الله تعالى عنه- (4) .
هل ثمة ضرورة اجتماعية لتدخل القانون في امر التعدد؟ (5)
على أننا نسأل: ما الباعث على منع أو تقييد حق تعدد الزوجات إلى درجة المنع، أهو كثرته كثرة فاحشة تنزل ظلمًا شديدًا بالأسرة، وتجعلها غير مستقرة، أم هو مصلحة المرأة، ثم ما ثمرة هذا التقييد أهي مريئة مستساغة أم وبيئة مريرة؟ لنفكر في هذه الأمور الثلاثة.
أما الأمر الأول: وهو تفاقم أمر التعدد، فإننا نقرر أن التعدد قد أخذ يقل مِن تلقاء نفسه في المدن والقرى، فإن نسبته قد أخذت تضمر من بعد الحرب العالمية الأولى حتى هبطت من 4. 5% إلى 1. 5% كما يدل على ذلك الإحصاء الأخير الذي صدر سنة 1960، فإنه ثبت بهذا الإحصاء: أن الذين يجمعون بين أربع من النساء في مصر لا يكونون أي نسبة في الألف، بل هم دون الإحصاء.
والذين يجمعون بين ثلاث نساء أربعة في كل ألف، والذين يجمعون بين اثنتين 10 في كل ألف، أي: 1% وبذلك تكون نسبة التعدد الآن نحو 1. 4%.
فهل هذه النسبة توجب تعديلًا قانونيًّا نبتدع فيه أمرًا لم يصنعه سلفنا الصالح؛ إنه لا موجب إلا أن يكون التشبه بالفرنجة في المنع المطلق، وإلا أن يكون الأساس أن ندخل النظم الكنسية في تنظيم أسرتنا، هذا هو الأمر الذي يراد بنا، فهل نرضاه؟ وهل نسكت عنه؟!
إذًا لا توجد مشكلة تسمَّى مشكلة تعدد الزوجات إلا في رؤوس الذين يريدون أن يقلِّدوا النظم الكنسية، ويحاولوا أن يغيروا ديننا، بالامتناع عن اتباع أحكامه، واتباع أحكام ما أنزل بها من سلطان.
وننتقل إلى النقطة الثانية، وهي التي تتعلق بمصلحة المرأة عامة: إن الذي يتزوج فوق زوجته لا تقبل الزواج منه امرأة إلا في حال استهواء بينهما قد يوقعهما في الفاحشة إن لم يكن زواج، وقد تكون في حال ترى أن مصلحتها في أن تتزوج ولو كان الرجل متزوجًا امرأة أخرى، وذلك؛ لأن المرأة في كل الأحوال إلا في أحوال استثنائية بالنسبة لها لا تقبل أن تتزوج متزوجًا، وأول سؤال تسأله مَن يطلب الزواج منها: أهو متزوج أم لا؟ وهل طلق أم لا؟ فإن تبيَّن أنه متزوج أو كان قد تزوَّج وطلَّق، فإنه لا يجاب طلبه، ولكن توجد مَن تجيب طلبه، ولوكان متزوجًا، وطلق مَن قبل، وله أولاد مِن كلِّ مَن تزوجها، وهذه لا تقبل إلا لإحدى الحالتين السابقتين.
وفي الحال الأولى وهي حال الاستهواء: إذا امتنع القاضي عن الإذن، فإن الشيطان يأذن، وإذن الشيطان بالنسبة للمرأة سقوط في الهاوية التي لا منجاة منها، إذ تكون خليلة بدل أن تكون حليلة، ثم تسوء حالها فتنتقل من بعد ذلك بين مضاجع الرجال في علاقات آثمة بدل أن تكون معهم في علاقة طهر شرعية، وإن كان فيها بعض العيوب.