شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (12)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

قصة بناء الكعبة (10)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقوله -سبحانه وتعالى-: ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) (البقرة:126) .

قال الإمام ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره: "رَوَى الإمام أبو جعفر بسنده عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّم بَيْتَ اللَّهِ وأمَّنَه وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا فَلَا يُصَادُ صَيْدُهَا وَلَا يُقْطَعُ عِضَاهُهَا ) (رواه مسلم) .

وروى ابن جرير -أيضًا- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ عَبْدَ اللَّهِ وَخَلِيلَهُ وَإِنِّي عبدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّم مَكَّةَ وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا، عِضَاهَها وصَيْدَها، لَا يُحْمَلُ فِيهَا سِلَاحٌ لِقِتَالٍ، وَلَا يُقْطَعُ مِنْهَا شَجَرَةً إِلَّا لِعَلَفِ بَعِيرٍ". و( لَابَتَيْهَا ): الحجارة السُّود على طرفي المدينة، "العِضَاه": شجر البادية.

وهذه الطريق غريبة، ليست في شيء من الكتب الستة، وأصل الحديث في صحيح مسلم، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "كانَ النّاسُ إذا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرِ جاؤُوا به إلى النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فَإِذا أَخَذَهُ رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، قالَ: ( اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا في ثَمَرِنا، وَبارِكْ لَنا في مَدِينَتِنا، وَبارِكْ لَنا في صاعِنا، وَبارِكْ لَنا في مُدِّنا، اللَّهُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ وَنَبِيُّكَ، وإنِّي عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، وإنَّه دَعاكَ لِمَكَّةَ، وإنِّي أَدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ بمِثْلِ ما دَعاكَ لِمَكَّةَ، وَمِثْلِهِ معهُ، قالَ: ثُمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدٍ له فيُعْطِيهِ ذلكَ الثَّمَرَ ). وفي لفظ لمسلم: ( بَرَكَةً مع بَرَكَةٍ، ثُمَّ يُعْطِيهِ أَصْغَرَ مَن يَحْضُرُهُ مِنَ الوِلْدانِ ).

وفي الصحيحين عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأبي طلحة: ( اِلْتَمِسْ لي غُلامًا مِن غِلْمانِكُمْ يَخْدُمُنِي ) فَخَرَجَ بي أَبُو طَلْحَةَ يُرْدِفُنِي وَراءَهُ، فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- كُلَّما نَزَلَ. وَقالَ في الحَديثِ: ثُمَّ أَقْبَلَ حتّى إذا بَدا له أُحُدٌ، قالَ: هذا جَبَلٌ يُحِبُّنا وَنُحِبُّهُ، فَلَمّا أَشْرَفَ على المَدِينَةِ، قالَ: ( اللَّهُمَّ إنِّي أُحَرِّمُ ما بيْنَ جَبَلَيْها مِثْلَ ما حَرَّمَ به إبْراهِيمُ مَكَّةَ، اللَّهُمَّ بارِكْ لهمْ في مُدِّهِمْ وَصاعِهِمْ ). وفي لفظ لهما: ( اللَّهُمَّ بارِكْ لهمْ في مِكْيالِهِمْ، وبارِكْ لهمْ في صاعِهِمْ، ومُدِّهِمْ )، زاد البخاري: ( يَعْنِي أهْلَ المَدِينَةِ ).

ولهما -أيضًا- عن أنس: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( اللهمَّ اجْعَلْ بالمدِينَةِ ضِعْفَي ما جعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنَ البَرَكةِ )".

ثم قال: "والأحاديث في تحريم المدينة كثيرة، وإنما أوردنا منها ما هو متعلق بتحريم إبراهيم -عليه السلام- لمكة؛ لما في ذلك من مطابقة الآية الكريمة، وتمسك بها مَن ذهب إلى أن تحريم مكة إنما كان على لسان إبراهيم الخليل. وقيل: إنها محرمة منذ خُلقت مع الأرض. وهذا أظهر وأقوى، والله أعلم.

وقد وردت أحاديث أخرى تدل على أن الله -تعالى- حرَّم مكة قبل خلق السماوات والأرض، كما جاء في الصحيحين، عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم فتح مكة: ( إنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمه اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَإِنَّهُ لَمْ يحِل الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلَّا ساعة من نهار، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. لَا يُعْضَد شَوْكُهُ وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا تُلْتَقَط لُقَطَتُه إِلَّا مَنْ عرَّفها، وَلَا يُخْتَلَى خَلاهَا، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رسول الله، إلا الإذْخَر فإنه لقَينهم ولبيوتهم. فَقَالَ: إِلَّا الْإِذْخِرَ ) (وهذا لفظ مسلم) .

( قُلْتُ: والحديث يدل على أن تحريم مكة يوم خلق الله السماوات والأرض، وليس كما ذكر ابن كثير قبل خلق السموات والأرض. وقوله: ( لَا يُعْضَد شَوْكُهُ ) يعني: لا يُنزع شجر الشوك ولا يقطع. ( وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ ) يعني: لا يُهيَّج؛ فضلًا عن صيده، ( وَلَا تُلْتَقَط لُقَطَتُه إِلَّا مَنْ عرَّفها ) أي: إلى الأبد لا إلى سنة، ( لَا يُخْتَلَى خَلاهَا ) أي: لا يقطع حشيشها إلا الإذخر).

وروى البخارى مُعلقًا، وابن ماجة متصلًا عن صفية بنت شيبة، قالت: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- يَخْطُبُ عَامَ الْفَتْحِ، فَقَالَ: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ اللهَ حرَّم مكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السماواتِ وَالْأَرْضَ، فَهِيَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُها، وَلَا يَأْخُذُ لُقَطَتَها إِلَّا مُنْشِد ) فَقَالَ الْعَبَّاسُ: إِلَّا الْإِذْخِرَ؛ فَإِنَّهُ لِلْبُيُوتِ وَالْقُبُورِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( إِلَّا الإذْخَر ).

الصفحة التالية