شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (12)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

وعن أبي شريح العدوي أنه قال لعمرو بن سعيد -وهو يبعث البعوث إلى مكة- (يعني: الجيوش لقتال ابن الزبير): ائذن لي أيها الأمير أن أحدثك قولًا قال به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الغد من يوم الفتح، سَمِعَتْه أذناي ووعاه قلبي، وأبصَرَتْه عيناي حين تكلَّم به، إنه حَمِد الله وأثنى عليه، ثم قال: "إِنَّ مَكَّةَ حرَّمها اللهُ ولم يُحرِّمْها النَّاسُ، فلا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بها دمًا، ولا يَعْضِدُ بها شجرةً، فإن أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ -صلى الله عليه وسلم- وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ. وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهدُ الغَائِبَ". فقيل لأبي شُرَيح: ما قال لك عمرو؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يَا أَبَا شُرَيْحٍ، إِنَّ الْحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا، وَلَا فَارًّا بِدَمٍ، وَلَا فَارًّا بخَرَبَة. رواه البخاري ومسلم، وهذا لفظه".

( قلتُ: وكلام عمرو بن سعيد لأبي شريح -رضي الله عنه- يدل على قلة تعظيمه للحديث، ثم للصحابة -رضي الله تعالى عنهم- ولحرمة بلد الله الحرام! فإنما يُعاقب مَن آوى إلى مكة مرتكبًا جُرمًا خارجها، بأن يُلجَأ إلى الخروج، فإذا خرج أُخذ وعُوقب بعقوبته الشرعية، وأما مَن ارتكب بها جُرمًا؛ فهو الذي لم يُراعِ حرمة الحرم؛ فيُعاقب فيها).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "فإذا عُلِم هذا؛ فلا منافاة بين هذه الأحاديث الدَّالة على أن الله حرَّم مكة يوم خلق السماوات والأرض، وبين الأحاديث الدَّالة على أن إبراهيم -عليه السلام- حرمها؛ لأن إبراهيم بلَّغ عن الله حكمه فيها وتحريمه إيَّاها، وأنها لم تزل بلدًا حرامًا عند الله قبل بناء إبراهيم -عليه السلام- لها، كما أنه قد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مكتوبًا عند الله خاتم النبيين، وإن آدم لَمُجَنْدَلٌ في طِينَتِه، ومع هذا قال إبراهيم -عليه السلام-: ( رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ ) (البقرة:129) ، وقد أجاب الله دعاءه بما سبق في علمه وقدره؛ ولهذا جاء في الحديث أنهم قالوا: يا رسول الله، يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنَا عَنْ بَدْءِ أَمْرِكَ. فَقَالَ: ( دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبُشْرَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَرَأَتْ أُمِّي كَأَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نور أضاءت لَهُ قُصُورُ الشَّامِ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .

أَيْ: أخْبِرْنا عَنْ بَدْءِ ظُهُورِ أَمْرِكَ.

وأما مسألة تفضيل مكة على المدينة، كما هو قول الجمهور، أو المدينة على مكة، كما هو مذهب مالك وأتباعه؛ فيذكر في موضع آخر بأدلتها" (انتهى من تفسير ابن كثير -رحمه الله-) .

قلتُ: الصحيح تفضيل مكة؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ، إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِي هَذَا ) (رواه أحمد وابن حبان، وصححه الألباني) ، وقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لمكة يوم أن خرج منها: ( وَاللَّهِ إِنَّكِ، لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ لَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ، مَا خَرَجْتُ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) . والله أعلم.

الصفحة السابقة