شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

معجزات النبي -صلى الله عليه وسلم- (5) (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

- كان موقفهم كما هو موقفهم في كل زمان، حيث نظروا إلى المعجزة بنظر مادي وقياس أرضي، ونسوا أن المعجز ما خرج على قوانين الحياة: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لَمَّا كَانَ لَيْلَةُ أُسْرِيَ بِي، وَأَصْبَحْتُ بِمَكَّةَ، فَظِعْتُ بِأَمْرِي، وَعَرَفْتُ أَنَّ النَّاسَ مُكَذِّبِيَّ ). فَقَعَدَ مُعْتَزِلاً حَزِينًا، قَالَ: فَمَرَّ به عَدُوُّ الله أبو جهل، فجاء حتى جلس إليه، فقال له كالمستهزئ: هل كان من شيء؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "نَعَمْ". قال: ما هو؟ قال: ( إِنَّهُ أُسْرِيَ بِي اللَّيْلَةَ ). قال: إلى أين؟ قال: ( إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ؟ ) قال: ثم أصبحتَ بين ظَهْرَانَيْنَا؟ قال: ( نَعَمْ ). قَالَ: فَلَمْ يُرِ أَنَّهُ يُكَذِّبُهُ، مَخَافَةَ أَنْ يَجْحَدَهُ الْحَدِيثَ إِنْ دَعَا قَوْمَهُ إِلَيْهِ، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ دَعَوْتُ قَوْمَكَ تُحَدِّثُهُمْ مَا حَدَّثْتَنِي؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( نَعَمْ ). فَقَالَ: هَيَّا مَعْشَرَ بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ حَتَّى قَالَ: فَانْتَفَضَتْ إليه الْمَجَالِسُ، وَجَاءُوا حَتَّى جَلَسُوا إِلَيْهِمَا، قَالَ: حَدِّثْ قَوْمَكَ بِمَا حَدَّثْتَنِي. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنِّي أُسْرِيَ بِي اللَّيْلَةَ ). قالوا: إلى أين؟ قال: ( إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ) قالوا: ثم أصبحْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا؟ قال: ( نَعَمْ ). قَالَ: فَمِنْ بَيْنِ مُصَفِّقٍ، وَمِنْ بَيْنِ وَاضِعٍ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، مُتَعَجِّبًا لِلكَذِبِ زَعَمَ، قَالُوا: وَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْعَتَ لَنَا الْمَسْجِدَ؟ وَفِي الْقَوْمِ مَنْ قَدْ سَافَرَ إلى ذَلِكَ الْبَلَدِ، وَرَأَى الْمَسْجِدَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( فَذَهَبْتُ أَنْعَتُ، فَمَا زِلْتُ أَنْعَتُ حَتَّى الْتَبَسَ عَلَيَّ بَعْضُ النَّعْتِ )، قَالَ: ( فَجِيءَ بِالْمَسْجِدِ وَأَنَا أَنْظُرُ حَتَّى وُضِعَ دُونَ دَارِ عِقَالٍ أَوْ عُقَيْلٍ فَنَعَتُّهُ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ )، قَالَ: ( وَكَانَ مَعَ هَذَا نَعْتٌ لَمْ أَحْفَظْهُ )، قَالَ: فَقَالَ الْقَوْمُ: أَمَّا النَّعْتُ فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَصَابَ" (رواه أحمد في المسند: قال شعيب الأرنؤوط: "إسناده صحيح على شرط الشيخين". وهو كذلك عند الطبراني في الأوسط، وابن أبي شيبة في المصنف، وكذلك صححه الألباني في السلسلة الصحيحة) .

- فرق كبير بين أهل الإيمان وأهل الكفران، عند تلقي خبر النبي العدنان في كل ظرف وزمان: عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- إلى المسجد الأقصى أَصْبَحَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِذَلِكَ، فَارْتَدَّ نَاسٌ مِمَّنْ كَانَ آمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ، وَسَعَوْا بِذَلِكَ إلى أَبِي بكر -رضي الله عنه-، فَقَالُوا: هَلْ لَكَ إلى صَاحِبِكَ، يَزْعُمُ أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ اللَّيْلَةَ إلى بَيْتِ الْمَقْدِسِ. قَالَ: أَوَقَالَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: لَئِنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ لَقَدْ صَدَقَ. قَالُوا: أَوَ تُصَدِّقُهُ أَنَّهُ ذَهَبَ اللَّيْلَةَ إلى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَجَاءَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنِّي لأَصُدِّقُهُ فِيمَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ؛ أُصَدِّقُهُ بِخَبَرِ السَّمَاءِ فِي غَدْوَةٍ أَوْ رَوْحَةٍ؛ فَلِذَلِكَ سُمَيَّ أبو بكر الصديق" (رواه الحاكم في مستدركه -وصحَّحه الألباني) .

خاتمة:

- إن رحلة الإسراء والمعراج من أكبر المعجزات أيضًا في تاريخ الأنبياء والبشرية جمعاء، لاسيما وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- وصل فيها إلى أعلى منازل السماء، بل والى مكانة لم يسبقه إليها أحد من الخلق (5) : قال -تعالى-: ( ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى . فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى . فَأَوْحَى إلى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ) (النجم:8-10) ، وقال: ( وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى . عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى . عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى ) (النجم:13-15) .

نسأل الله جنة المأوى مع نبيه -صلى الله عليه وسلم-.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الإسراء: هي تلك الرحلة الأرضية، وذلك الانتقال العجيب بالقياس إلى مألوف البشر، الذي تمَّ بقدرة الله من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، والوصول إليه في سرعة تتجاوز الخيال.

وأما المعراج: فهو الرحلة السماوية والارتفاع والارتقاء من عالم الأرض إلى عالم السماء، حيث سدرة المنتهى، ثم الرجوع بعد ذلك إلى المسجد الحرام.

(2) من المعجزات في الرحلة المعجزة: "صلاة النبي بالأنبياء"؛ فقد التقى النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-بالأنبياء ليلة الإسراء والمعراج روحًا وجسدًا، وصلَّى بهم كذلك، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( وَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّي، فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ، جَعْدٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَإِذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- قَائِمٌ يُصَلِّي، أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ، وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- قَائِمٌ يُصَلِّي، أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ -يَعْنِي نَفْسَهُ- فَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَأَمَمْتُهُمْ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الصَّلَاةِ قَالَ قَائِلٌ: يَا مُحَمَّدُ، هَذَا مَالِكٌ صَاحِبُ النَّارِ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ، فَبَدَأَنِي بِالسَّلَامِ ) (متفق عليه) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية