شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (90) الصناعة ودورها في الاقتصاد المصري (2)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

(لذا يرى البعض: أن مرحلة الرئيس الأسبق حسني مبارك تُعد النموذج الأمثل لهيمنة القطاع الخاص، وتصدر رجال الأعمال للمشهد بعد سيطرتهم على الحياة الاقتصادية)، فـ(المعروف عن هذا النظام أنه استمال رجال الأعمال بأشكالٍ متنوعةٍ، وأغراهم بالمشاركة في الحياة السياسية وساعد على تبعيتهم الدائمة له)، (حتى جاءت ثورة الخامس والعشرين من يناير، وأطاحت بهم جميعًا، وكانت سببًا في مثولهم أمام الجهات المختصة للتحقيق معهم في قضايا فساد وكسب غير مشروع) (راجع في ذلك ملف: "الرئيس ورجال الأعمال والمواجهة المقبلة" جريدة اليوم السابع - الثلاثاء 3 نوفمبر 2015 م، ص 9) .

الانفتاح الاقتصادي:

قال الكاتب فاروق جويدة في مقال له بالأهرام بعنوان: (ماذا بقي من الانفتاح الاقتصادي؟): (إن قضية الاستثمار في مصر واحدة من أقدم القضايا في تاريخ الاقتصاد المصري؛ خاصة مع بداية إطلاق شعار سياسة الانفتاح الاقتصادي مع بداية السبعينيات، وصدور أول قانون لتشجيع الاستثمار الأجنبي في مصر، ويومها صدر القانون الجديد ومعه أحلام كثيرة بتطور اقتصادي حقيقي، وتنمية تشمل كل جوانب الحياة المصرية)، (كان القطاع العام يعيش مرحلة صعبة أمام كساد انتاج، وعدم توافر العملة الصعبة اللازمة للتطوير والتحديث، وكان مزدحمًا ومكدسًا بأعدادٍ كبيرةٍ مِن العاملين فيه، وكانت مصانع كثيرة قد وصلت إلى حالة من الترهل أمام الإهمال وعدم التجديد؛ كان الأمل في ذلك الوقت أن تفتح مصر أبوابها للاستثمار الأجنبي ممثلًا في نوعيات متطورة من الإنتاج الصناعي، والسلع والخدمات بعد فترة طالت من الانغلاق، وكنا نتصور أن الأموال القادمة سوف تأتي بمصانع جديدة متطورة لتحديث الصناعة المصرية!).

(ولكن للأسف الشديد فقد ضاعت أحلام التطوير والتحديث في دوامة البيروقراطية المصرية العريقة؛ لقد جاءت رؤوس الأموال الأجنبية، ولكنها اختارت مجالات وقطاعات غير ما حلم به المصريون، واتجهت معظم الأنشطة الاقتصادية إلى قطاعات التوكيلات التجارية لترويج إنتاج الشركات الأجنبية، وتم التوسع في عمليات الاستيراد، وشاهد المصريون لأول مرة في الأسواق السجائر المستوردة والسلع الأجنبية ابتداءً بالمواد الغذائية وانتهاءً بالسيارات الفارهة، واتسعت دائرة الاستيراد حتى شملت مئات السلع التي لم تكن تدور في خاطر المصريين.

لجأ معظم رجال الأعمال المصريين إلى أنشطة اقتصادية لا تتجاوز حدود أعمال السمسرة وتجارة العملة، وبدأت الاستثمارات الأجنبية والمصرية تتجه إلى أنشطة سياحية، في فتح مكاتب للسياحة أو شركات الطيران، أو بيع تذاكر الحج والعمرة، وكانت تجارة العملة في السوق السوداء قد بدأت مرحلة جديدة من فتح أبواب الاستيراد السلعي، ووجود أكثر من سعر للعملة ما بين البنوك والسوق الموازي.

لم يتجه النشاط الاقتصادي إلى المشروعات الإنتاجية في ذلك الوقت وبقي في دائرة محدودة؛ فلم يفتح أبوابًا لإنتاج صناعي متطور، أو استخدام للأساليب الحديثة في الإنتاج الزراعي، وانحصرت كل الأنشطة الاقتصادية في أعمال تحقق العائد السريع.

هنا يمكن أن يقال: إن الانفتاح الاقتصادي لم يحقق أحلام المصريين، وإن فتح الأبواب أمام طبقة جديدة من المستفيدين الذين استولوا على جزءٍ مِن أنشطة القطاع العام في التوكيلات التجارية أو الاستيراد أو شراء وبيع العملات الصعبة)، (في هذا الوقت أيضًا بدأت لعبة تجارة الأراضي والعقارات في مصر، وبدأ لأول مرة على نطاق واسع بناء مشروعات التمليك التي بدأت بالشقق والعمارات، وتطورت بعد ذلك لتشمل الأبراج وناطحات السحاب والمنتجعات. وقد اتسعت هذه الأنشطة بعد ذلك بصورة رهيبة حتى أصبحت من أهم موارد الاقتصاد المصري في سنوات قليلة.

وقد ترتبت على ذلك مجموعة من النتائج، أهمها: انتهاء منظومة العقارات التقليدية والمباني الخاضعة لقوانين الإيجارات، واختفت إعلانات شقة للإيجار لتحل مكانها شقة للتمليك، وكانت هذه أول ضربة توجه للطبقة المتوسطة ذات الدخل المحدود.

وبجانب هذا؛ فقد شوَّهت هذه المنظومة المعمارية العشوائية تراثًا عريقًا مِن العمارة الذي عرفته مصر سنوات طويلة من خلال نماذج معمارية رفيعة)، (لم يستطع الانفتاح أن يدخل بمصر مرحلة جديدة من الإنتاج المتطور القادر على المنافسة في الأسواق الخارجية، بل إن هذا الانفتاح فَرَض أعباءً كثيرةً على الطبقة المتوسطة التي لم تكن قادرة بحكم مواردها على منافسة طبقةٍ جديدةٍ مِن المستفيدين في الأنشطة التجارية، واستيراد السلع وبيعها، وتجارة العملة، والمقاولات، والتوكيلات التجارية، وأعمال السمسرة.

وقد شَجَّع ذلك على ظهور طبقة الحرفيين في كل المواقع؛ ابتداءً بالخدمات، وانتهاءً بأعمال الباعة الجائلين، وأصحاب البوتيكات، والسلع المستوردة أو المهربة.

إن الشيء المؤكَّد أن الانفتاح الاقتصادي قد أضر كثيرًا بالطبقة المتوسطة)، (بحيث وجدت نفسها بين طبقتين جديدتين: الأولى في المقدمة مِن التجار والسماسرة والمقاولين، وتجار العملة، والثانية: مِن الحرفيين؛ هذا يضغط عليها من أعلى، وهذا يضغط عليها من أسفل. وكانت الطبقة المتوسطة بكل رصيدها الحضاري والثقافي أول ضحايا الانفتاح الاقتصادي الذي فشل في تطوير الاقتصاد المصري، وتركه حائرًا ما بين قطاع عام فرطت فيه الدولة وهو يعاني ظروفًا صعبة، ووجود قطاع خاص طفيلي، لم يستطع أن يكون بديلًا منتجًا ومشاركًا في حركة بناء المجتمع).

وختم الكاتب فاروق جويدة كلامه بقوله: (أهدرت سياسة الانفتاح قيمة العمل في مصر فلم يعد طريقًا للصعود، ولم تعد الكفاءة وسيلة للتفوق، وأصبح من الصعب أن تجد لك مكانًا تحت الشمس بلا دعم من السلطة أو اقتراب منها، أو استخدام أساليب التحايل لكي تصل إلى ما تريد! وهنا زادت مساحة الفوارق الاجتماعية، وبدأ المواطن المصري يشعر بالقهر أمام واقع اجتماعي وسلوكي وأخلاقي جديد فرضته منظومة الانفتاح الاقتصادي بكل جوانب الخلل فيه. كان الانفتاح أول الأبواب التي دخل منها المغامرون والسماسرة في صفقات مريبة وغريبة، شملت كل موارد وإمكانيات الدولة المصرية!

الصفحة السابقة الصفحة التالية