الفساد (90) الصناعة ودورها في الاقتصاد المصري (2)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
وقد تجسد ذلك في صعود مجموعة من الأفراد والعائلات الذين استولوا في سنواتٍ قليلةٍ على ثروات هذا الوطن، وحَرَموا الملايين من حقهم في مجتمع عادل وحياة حرة كريمة.
كانت تجربة الانفتاح الاقتصادي وتشجيع الاستثمار حلمًا لكل المصريين، وانتهى إلى صفقةٍ لعددٍ مِن المغامرين. ومن الانفتاح بدأت مرحلة النهب العام أمام مشروع آخر، وهو: برنامج الخصخصة، وبيع أصول الدولة المصرية) (راجع مقال الكاتب فاروق جويدة: "ماذا بقي من الانفتاح الاقتصادي؟" - الأهرام عدد الجمعة 6 مارس2015 م، ص 13 مقتطفات بتصرفٍ) .
أين الصناعة:
قال الكاتب فاروق جويدة في مقال له بعنوانٍ: "ثروات مصر المجهولة": (أتابع مِن بعيدٍ أحوال الصناعة المصرية، ولا استطيع أن ألقي مسئولية ما أصابها على حكومة حالية أو حكومة سابقة؛ لأن الإهمال كان مرضًا خطيرًا، دَمَّر في سنواتٍ كل إمكانات الصناعة المصرية، والدليل ما أصاب الصناعات التقليدية، مثل: الغزل والنسيج، وما حدث في برنامج الخصخصة، وبيع القطاع العام بأبخس الأثمان في صفقاتٍ مشبوهةٍ، بدأت بصناعة الأسمنت والحديد، وانتهت ببيع مشروعات كبرى وتحويلها إلى أراضي بناء، كما حدث للمحالج وتوابعها. تعرضت الصناعة المصرية إلى عملية تدمير كامل.
والغريب: أن العالم الخارجي في كل علاقاته معنا لم يكن حريصًا على تطوير الصناعة المصرية، وترك الاقتصاد المصري لأعمال السمسرة والوكالة، والبيع والخصخصة، وسيطرت تجارة الأراضي والمقاولات على كل شيء، وخسرت مصر صناعات تقليدية عريقة، وأصبح الاستيراد عبئًا ثقيلًا على ميزانية الدولة... في الأسابيع الماضية تلقيت عشرات الرسائل والاتصالات من رجال الأعمال أصحاب المصانع المغلقة)، (خاصة أن فيها آلاف العمال الذين تركوا أعمالهم، لا يعقل أن يبقى هذا العدد من المصانع المغلقة التي أكلها الصدأ. وإذا كانت الزراعة المصرية تعيس محنة طويلة، فإن الصناعة المصرية تعاني من نفس المصير!) (راجع مقال: "ثروات مصر المجهولة" الأهرام عدد الجمعة 13 أبريل 2018 م، ص 13 مقتطفات بتصرفٍ) .
وقال الكاتب أيضًا في مقال له بعنوان: "تجارة الأراضي لا تصنع الرخاء": (إن السؤال: أين الصناعة في مصر؟! ولماذا غابت كل هذه السنوات عن سلطة القرار؟! وأين إنتاجنا من الصناعات المختلفة التي يمكن أن نصدرها وتوفر لنا مصادر دخل، وفرص عمالة، وإنتاج للاستهلاك المحلي؟! مَن يصدِّق أن مصر حتى الآن لم تدخل في قائمة الدول الصناعية المعترف بها دوليًّا، وليست لها صناعات اشتهرت بها عن كل دول العالم؟!
على خارطة الأنشطة الاقتصادية في مصر لا يوجد المكان المناسب للإنتاج الصناعي، والسبب في ذلك: أن الدولة لم تؤمن يومًا بهذا التحول في أساليب الإنتاج!
ما زال المصريون غارقين في الأسمنت والحديد والمقاولات؛ ولهذا نشطت صناعة الحديد، ومصانع الأسمنت، والسيراميك والبلاط، وسماسرة المقاولات؛ لا توجد في مصر الآن صناعة يمكن أن يُقال: إنها أصبحت سلعة عالمية، حتى تلك الصناعات القديمة: كالغزل والنسيج والملابس، تراجعت من حيث الإنتاج والجودة ومكانتها في الأسواق العالمية.
كانت تجارة الأراضي وأنشطة المقاولات هي السلعة الرائجة في مصر طوال السنوات الماضية، وعلى امتداد ثلاثين عامًا وأكثر، جارت تجارة الأراضي على كل الأنشطة في الدولة المصرية، ولم تكن هذه الحالة نشاطًا فرديًّا، ولكنه تحول إلى سياسة دولة حين أصبحت مؤسساتها تتاجر في الأراضي والشقق وتضارب في أسعارها، وحولها مجموعة من المغامرين اختارتهم مؤسسات وجعلتهم حراسًا على خزائنها.
كانت تجارة الأراضي من أهم وأخطر وسائل الثراء السريع في مصر ما بين: المنتجعات، وتحويل الأراضي الزراعية إلى مبانٍ يضاف إليها المدن الجديدة والشواطئ، والمناطق السياحية، وهذه الأنشطة صنعت طبقة جديدة من التجار والسماسرة الذين اقتصرت أنشطتهم على هذا النوع مِن الاستثمار.
كانت الدولة وراء المشروعات العقارية التي شهدت مضاربات سريعة في أسعار الشقق، ودخل علينا نظام التمليك، وقد بدأ بتجارة الشقق، وانتهى بتجارة المنتجعات. وقامت الدولة بتوزيع مساحات شاسعة من الأراضي التي جعلت النشاط العقاري في مصر هو مصدر الدخل الأول والأخير، حتى إن المستثمرين العرب اتجهوا إلى هذه الساحة؛ لأنها الأكثر رواجًا، وأكثر أمنًا، وأكثر أرباحًا!