شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

ملخص كتاب: "تنظيم الأسرة وتنظيم النسل" للعلامة الأزهري "محمد أبو زهرة" (3) تقييد الطلاق مُخَالِف للشَّرْع، وهو كالمُسْتَجِير من الرَّمْضَاء بالنَّار

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المرأة والأسرة

ومع كل هذا فإن الفقهاء يقرر أكثرهم أن الأصل في الطلاق الحظر الديني، لا الحظر المادي؛ بمعنى أن الشخص يأثم أمام الله -تعالى- إن طلَّق من غير حاجة نفسية إلى الطلاق؛ ولهذا روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ" (رواه ابن ماجه، وضعفه الألباني) ، وقال -عليه الصلاة والسلام-: "لاَ تُطَلِّقُوا النِّسَاءَ إِلاَّ مِنْ رِيبَةٍ" (رواه الطبراني، وضعفه الألباني) .

وإن الطلاق بلا ريب فيه إيذاء للمرأة، وفيه إيذاء للأولاد، وفيه إيذاء للرجل، وفيه فوق كل هذا إزالة لنعمة الزواج؛ إذ الزواج نعمة من أجلِّ ما أنعم الله به على الإنسان، وإزالة النعم إضرار بكلِّ مَن كانت النعمة نعمة له؛ ولذا أمر الله -تعالى- الرجال عند الطلاق أن يحسنوا إلى النساء في حال الافتراق، فقال -تعالى- في حال الطلاق: ( وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ) (الأحزاب:49) ، وقال -تعالى-: ( فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ) (البقرة:231) .

والامتناع عن الطلاق أحيانًا يكون مضارة وإيذاء، وقد يكون من العشرة ما يكون الافتراق من رحمة مهما تكن أسباب البقاء، وقد أشار -سبحانه وتعالى- إلى هذا المعني بقوله: ( وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ) (البقرة:231) .

والأولاد تجب رعايتهم على آبائهم وأمهاتهم؛ سواء افترق الزوجان أم بقيت الحياة الزوجية من غير أن ينزل أي ضرر بالأولاد، ولا أن يضار الأب أو الأم؛ اقرأ قوله -تعالى-: ( وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ) (البقرة:233) .

ولا شك أن تربية الأولاد بين أبويهم أرفق بهم وأهنأ، وأكثر رعاية وعناية، ولكن ذلك إنما يكون إذا كانت المودة والرحمة هما اللتان تسودان الأسرة، فإذا حل محلها القسوة والبغضاء، فإن الافتراق يكون أرحم وأرفق بهم من أن يروا كل يوم نيران العداوة تشتمل في القول والعمل، وكل مظاهر العشرة.

فإذا كان في الطلاق ضرر؛ فإنه دفع لضرر أكبر منه، وهو إنهاء الزوجية فاسدة، وقلع مادة الفساد أولى من بقائها تنخر في عظام المجتمع، ويسري فسادها إلى كل نواحيه.

عدول معظم البلاد الإسلامية عن مذهب أبي حنيفة إلى مذهب ابن تيمية في الطلاق (8) :

ولا شك أنه كان إسراف في الطلاق في البلاد التي كانت تطبِّق مذهب أبي حنيفة خاصة، ومذاهب الأئمة الأربعة عامة، لقد كان المذهب الحنفي يوقع طلاق المكره والسكران، ويجعل للرجل الحق في أن يجعل الطلاق بائنًا، وكانت أكثر ألفاظ الكتابة بقع بها الطلاق بائنًا، ويجعل قرينة الحال مسوغة لأن يقع الطلاق، من غير نظر إلى قصد المتكلم، وأخذوا من قرينة الحال تفسيرًا لقوله مع أن اللفظ غير صريح في الطلاق.

والمذاهب الأربعة كانت تعتبر يمين الطلاق بالعدد لفظًا أو إشارة بمقدار العدد، ما دام في دائرة الطلقات الثلاث، فإن زاد عن ثلاث وقعت.

وكان الناس يسرفون في ذلك إسرافًا شديدًا؛ فكانت فوضى الطلاق ضاربة أطنابها؛ ففي السوق يقع الطلاق، وفي الحقل يقع، وفي مجالس السَّمر يقع، وغير المتدينين يرمون الكلام على عواهنه، والمتدينون يعصرون أعينهم من الألم بعد أن يكون منهم ما يكون، وتجيء من وراء ذلك فوضى أخرى: فوضى المُحَلِّل أو التَّيْس المُسْتَعَار، كما جاء في بعض الروايات، وكانت مصر أول مَن تَنَبَّه لهذه الفوضى، وعالجتها، بل أزالتها بمقتضى القانون رقم: 20 لسنة 1929، واعتمدت في ذلك على أقوال السلف الصالح، واختيارات لابن تيمية وابن القيم، واختيار مِن بعض المذاهب الأربعة، وبذلك القانون حدَّت دائرة الطلاق، وانقطع سبيل الإسراف فيه.

إن القوانين العربية في أكثرها أُخِذَت من القانون المصري، ولم يخرج عنه إلا قانون تونس الذي قال: "إن الطلاق لا يقع إلا أمام القاضي!".

ونقول: إن قانون سنة 1929 لم يخرج عن نطاق الفقه الإسلامي قط، بل أنه التزم أصوله، ولم يخرج عن فروعه، وقد آتى ثمرته، وكان نورًا مُشِعًّا، وخطوة موفَّقة طيبة؛ أوقفت الإسراف وجعلت الطلاق في موضع الاعتدال.

تقييد الطلاق:

لقد غَالَى الذين يريدون أن تحكم الأسرة في الإسلام بنظم مِن غيره، فزعموا أن ثمة إساءة في استعمال حق الطلاق.

وأنه ترتَّب على ذلك أمران:

أولهما: تفكك الأسرة وانحلالها، وقطع الروابط بين الزوجين لأتفه الأسباب!

وثانيهما: وجود المتشردين والأحداث الذين أصبحوا قذى في عين الذين يريدون أن ينشئوا مجتمعًا سليمًا.

ونحن في الإجابة عن هذا الكلام نقول:

قد يوجد من الناس مَن يسيء استعمال ذلك الحق، كالشأن في كل أمرٍ يبيحه الشرع أو القانون؛ فإنه يكون مِن الناس مَن يسيء استعماله، حتى الطعام يوجد مَن يسيء استعماله فيملأ جسمه به، حتى حد البطنة، ومِن وراء ذلك الأمراض المختلفة المهلكة، أو التي تجعل الجسم في سقامٍ دائِمٍ، فلسنا نمنع أن يكون بين الذين ليس عندهم تفكير سليم مَن يسيء استعمال حق الطلاق.

ولكنا ونحن نقرر ذلك نقول: إنه لا يترتب على إساءة استعمال الطلاق عند بعض الذين يطلِّقون عن غير روية وتفكير -فك للأسرة ولا تشرد للأولاد، وإن ذلك النفي لا نقوله تلقائيًّا، ولا بغرض عقلي، بل نبيِّنه على إحصاء سليم لا يدركه الذين يهرفون بما لا يعرفون.

ذلك أن الطلاق قسمان:

أحدهما: قبل الدخول.

والثاني: بعد الدخول، وما بعد الدخول يكون رجعيًّا؛ إلا أن يكون بعوضٍ مالي أو فيه نزول عن حقٍّ مالي، ثم إنه بعد الطلاق البائن قد يذهب الشيطان من رأس النَّاشِز منهما فيستأنفان حياة زوجية جديدة، وبذلك لا تُحل الأسرة.

الصفحة السابقة الصفحة التالية