ملخص كتاب: "تنظيم الأسرة وتنظيم النسل" للعلامة الأزهري "محمد أبو زهرة" (3) تقييد الطلاق مُخَالِف للشَّرْع، وهو كالمُسْتَجِير من الرَّمْضَاء بالنَّار
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المرأة والأسرة
لقد أقمنا إحصاءً في أكبر قِسْم مِن أقسام القاهرة فيه طلاق، فوجدنا قسم مصر القديمة؛ إذ إن نسبة الطلاق تبلغ فيه بالنسبة إلى الزواج 5.39 % من وقائع، وهي تهول كل الذين ينظرون إلى الأمور نظرًا سطحيًّا، ولكن بخصم الطلاق قبل الدخول وعدد الرجعات، وعدد الطلاق البائن برضا الزوجين، وعدد الزواج الذي استؤنف بين مطلق ومطلقة، فإن النسبة تهبط إلى واحدٍ أو ما فوقه بقليل.
وبذلك الإحصاء ننتهي إلى: أن الطلاق لا يُحدِث خللًا للأسرة، حتى مع إساءة النطق به؛ ذلك لأن الطلاق قبل الدخول لا يعد حلًّا للأسرة، ولكنه يُعَدُّ وقاية لها من تكوين زواج فاسد، وهذه الوقاية لا تُعَدُّ حَلًّا لأمرٍ موثق، بل تُعَدُّ فَكًّا لوثاق يكون قيدًا واهنًا، والرجعات تمنع الانقطاع، والطلاق بالتراضي لا إساءة فيه لأحدٍ، والبداهة تقول إنهما أدري بمصالحهما، والتداخل بينهما يفسد ولا ينفع أحدًا.
وأما ترتُّب التَّشَرُّد على الطلاق؛ فأمر ينافيه الإحصاء؛ لأن التشرد، وكثرة الأحداث لا يكون من الطلاق، بل يكون من ضعف الوقاية على المُولَّى على النفس.
إنما يثبت بالإحصاء: أن الطلاق يكثر حيث لا يكون ولد، ويقل حيث الولد، بل يَضْؤُل كلما كَثُر الأولاد، وإن الإحصاء الأخير قد أثبتَ أن الطلاقَ حيث لا يكون ولد قط يستغرق من الطلاق عددًا تبلغ نسبته أكثر من 70% من وقائع الطلاق، وبين أيدينا إحصاء دقيق لأحوال الطلاق مع عدد الأولاد.
وتبيَّن لنا منه: أن 70 % من وقائع الطلاق تكون قبل أعقاب أي ولد.
وتبيَّن منه: أن 17% بعد أعقاب ولدٍ واحدٍ.
إن النسبة تهبط تدريجيًّا في دائرة 8 %، حتى إذا وصل العدد إلى ستة أولاد لا توجد نسبة مئوية، بل إن النسبة في الألف، أو عشرة آلاف.
فالولد ذاته عائق للطلاق مانع منه، وبذلك يتبين أنه لا علاقة بين التشرد والطلاق؛ إنما العلاقة تكون بينه وبين الولاية على النفس، وضعف الرقابة.
والمتشردون والأحداث إما أن يكونوا يتامى فقدوا الرعاية في الأسرة، وفقدوا رعاية الدولة، وإما أن يكون لهم آباء تخلوا عن واجبهم، ولم يحميهم من آبائهم القضاء في الولاية على النفس، ومثل الذين يقولون غير هذا القول مثل الطبيب الذي يضل معرفة الداء فيتركه يستشري، ويعالج جزءًا سليمًا كل السلامة، وقد يضعف عامة الجسم ذلك العلاج الذي لم يكن في موضعه!
خلاصة الرد على مَن يطالبون بتضييق الطلاق تقليدًا للغرب (9) :
وإذا كان الطلاق بوضعه القائم لم يؤدِّ إلى انحلال في الأسرة، كما توهَّم الذين أقاموا الدنيا، وأقعدوها ثائرين على الطلاق، فإن البداهة تقول: إن ثورتهم على نظام الإسلام في الأسرة، وليست ثورتهم على أمر فيه حل لروابط الأسرة أو دفع للتشرد أو جناح الأحداث، كما يتذرعون وكما يشنِّعون.
لقد بدأوا طلبهم بأن يكون الطلاق أمام القاضي، وقد كان ذلك أمرًا إدًّا من شأنه أن يكشف أستار الأسرة، وأن تكون المرأة حديث المجالس؛ لأن أقرب سبب يجيء على لسان الرجل الذي لا يرعى حرمة الحياة الزوجية أن يتهمها في عرضها، وهي تهمة إن أمكن إثباتها عادت بالعار والشنار على المطلقة، وإن لم يمكن إثباتها فلا يعدم إحضار شهود يقولون، وإن لم يجدِ قولهم، وذلك يعرِّضها للقيل والقال.
التحذير الشديد من تعليق الطلاق على التوثيق (10) :
على أننا نسأل هؤلاء الذين يفكرون ذلك التفكير إذا طلق الرجل امرأته من غير توثيق، أتحل له أم تحرم عليه؟ فإن حرمت عليه؛ فإن مآل ذلك بالنسبة للمرأة وبيئ بلا ريب؛ لأنها ستبقى بعد ذلك في حال لا هي زوجة تستطيع الاستمتاع بحقوق الزوجية الكاملة، ولا هي مطلقة قد أغناها الله -تعالى- من سَعَته كما قال -تعالى-: ( وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ ).
وإن كان الطلاق في نظرهم لا يحرِّمها عليه، وقد صار بائنًا، أي: تستمر في ملك الزوجية، فيؤدي ذلك أن يحل القانون ما حَرَّم الله -تعالى-، وإن فعل ذلك فهل يطيعه الزوجان المسلمان، وطاعة الله -تعالى- عندهما أوجب وألزم ويعرفون قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ ) (رواه أحمد والحاكم، وصححه الألباني) ؟!
خاتمة:
عالَج الشيخ بعد ذلك وضع عقوبة قانونية على الطلاق كبديل لجعله بيد القاضي، وبعض المطالب الأخرى، نناقشها في المقالة القادمة -بإذن الله-.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) للأسف إن مِن تناقضات الجمعيات النسوية: أنهن قد يطالبن بتقييد الطلاق تحت زعم الحفاظ على الأسرة في الوقت الذي يدافعن أيضًا عن تشريع الزواج المؤقَّت الذي هو هدم لفكرة الأسرة من الأساس! والذي كان معروفًا في الجاهلية ثم جاء الشرع بتحريمه، وإن تأخر هذا الأمر قليلًا؛ إلا أنه استقر هذا التشريع وأجمعت عليه الأمة، ولم يخالف في هذا إلا الشيعة؛ لجهلهم وحقدهم، وظنهم أن تحريم زواج المتعة اجتهاد حدث في عهد عمر -رضي الله عنه-، ومِن ثَمَّ فنكاية في عمر -رضي الله عنه- يروِّجون لهذا الزنا المسمَّى: "زواجًا!" زورًا وبهتانًا.
(2) وهذا ما يؤكِّد أن التدخل القانوني ليس هو العلاج الأمثل لكل المشكلات، بل هذه المشكلات الاجتماعية بطبعها يجب أن تبقى اجتماعية، وإذا شعر أحد الطرفين بأن الآليات الاجتماعية الشرعية والعرفية غير المخالفة للشرع قد عجزت أن تأتيه بحقه، فيرفع أمره إلى القاضي، وليس بتحويل القضاة إلى أولياء أمور جميع البيوت بتفاصيلها وتقلباتها، وحلوها ومرها؛ ففي هذا ظُلمٌ للأسرة، وتكليف للقضاة بما لا يطيقه بشر! وهذا ما استقر عليه العمل في القانون المصري وهو موافق للشرع مِن أن مِن حقِّ المرأة أن تطلب الطلاق إذا كان ثَمَّ ضرر يقتضيه، وأن لها أن تطلب الخلع إن استحكمت الفُرقة بينها وبين زوجها، وهو أمر تكليفي تخاطَب هي به، ومن جهة شرط قضائي يُبذل الوسع في غلبة الظن بحصوله عن طريق الحكمين.