شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (13)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

قصة بناء الكعبة (11)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

قال الله -عز وجل-: ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ . وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) (البقرة:126-128) .

قال ابن كثير -رحمه الله-: "وقوله -تعالى- إخبارًا عن الخليل أنه قال: ( رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا ) أي: من الخوف، لا يَرْعَب أهلَه، وقد فعل الله ذلك شرعًا وقدرًا".

( قلتُ: أمَّا شرعًا: فمعلوم تحريم مكة بالأدلة المستفيضة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبيان أن ذلك كان مِن تحريم إبراهيم لها، وهو الذي تناقله أبناؤه وذريته إلى زمن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى زمننا هذا، إلى يوم القيامة.

وأما قدرًا: فالأغلب الأعم فيما وقع في مكة أنها تكون آمنة؛ إلا استثناءً يسيرًا لا يقدح في هذه القاعدة؛ كزمن القتال بين الحجاج وعبد الله بن الزبير، وقد ضَرَبَ الحجاجُ مكة بالمنجنيق، ووقع شيء من حجارته داخل المسجد، بل واحترق البيت حتى بناه عبد الله بن الزبير -رضي الله عنه- على قواعد إبراهيم، وانتهى الأمر بمقتل عبد الله بن الزبير -رضي الله عنه- عند ‌الحَجُونِ بمكة مظلومًا -رضي الله تعالى عنه وغفر له-. وكزمن القرامطة الذين اقتلعوا الحجر الأسود وقتلوا الحجيج، وكزمن الواقعة التي وقعت في زمننا في عام 1400 من الهجرة المعروفة بواقعة جُهَيْمَان، التي وقع فيها اقتتال داخل المسجد، وقُتل مَن قُتل داخله وحوله.

فهذه الوقائع المعدودة وقعت عبر الزمان كله، لا تقدح في القاعدة أنه قد جعله الله -عز وجل- بلدًا آمنًا لا يرعب أهله. وكالساعة -أيضًا- التي أُحِلَّت فيها لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ ولكنها لا تنافي حرمته؛ لأنها شُرِع فيها القتال فيه كما وَصَفَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أنها أُحِلَّت له ساعة من نهار.

ويجب على المسلمين من كلِّ الأجناس والقوميات والبلدان تعظيم حرمة مكة وعدم التعرض لأهلها أو لمقيم فيها بنوعٍ من الأذى؛ وإلَا فالله -عز وجل- يذقه مِن عذابٍ أليمٍ).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "كقوله -تعالى-: ( وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ) (آل عمران:97) ، وقوله: ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ) (العنكبوت:67) ، إلى غير ذلك من الآيات. وقد تقدمت الأحاديث في تحريم القتال فيها. وفي صحيح مسلم عن جابر: سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْمِلَ بِمَكَّةَ السِّلَاحَ )".

( قلتُ: وهذا يدل على ضلال الجماعة الذين قاموا بأحداث الحرم عام 1400هـ؛ لأنهم حملوا السلاح بمكة وخزَّنوه في الحَرَم -ولا حول ولا قوة إلا بالله-، ثم استعملوه في قتل مَن دخل عليهم يريد إخراجهم من الحرم، الذي اعتصموا به وظلُّوا يقتلون الناس حوله. ولا حول ولا قوة إلا بالله).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "وقال في هذه السورة: ( رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا ) أي: اجعل هذه البقعة بلدًا آمنًا، وناسَب هذا؛ لأنه قبل بناء الكعبة. وقال -تعالى- في سورة إبراهيم: ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا ) (إبراهيم:35) ، وناسب هذا هناك؛ لأنه -والله أعلم- كأنه وقع دعاءً مرةً ثانيةً بعد بناء البيت واستقرار أهله به، وبعد مولد إسحاق الذي هو أصغر سنًا من إسماعيل بثلاث عشرة سنة؛ ولهذا قال في آخر الدعاء: ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ ) (إبراهيم:39).

وقوله -تعالى-: ( وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ): قال أُبي بن كعب في قوله: ( قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ): هو قول الله -تعالى-. وهذا قول مجاهد وعكرمة، وهو الذي صوَّبه ابن جرير.

قال: وقرأ آخرون: ( قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ )، فجعلوا ذلك مِن تمام دعاء إبراهيم، كما رواه أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية قال: كان ابن عباس يقول: ذلك قول إبراهيم؛ يسأل ربه أن مَن كفر فَأَمْتِعُهُ قليلًا. وعن مجاهد: "ومَن كفر فَأَمْتِعُهُ قليلًا" يقول: ومَن كفر فارزقه رزقًا قليلًا أيضًا، ثم اضْطَرُّهُ إلى عذاب النار، وبئس المصير.

وقال محمد بن إسحاق: لما عَنَّ لإبراهيم الدعوة على مَن أبى الله أن يجعل له الولاية انقطاعًا إلى الله ومحبته، وفراقًا لمَن خالف أمره، وإن كانوا من ذريته، حين عرف أنه كائن منهم ظالم لا يناله عهده، بخبر الله له بذلك قال الله: ( ومَنْ كَفَرَ ) فإني أرزق البر والفاجر، وأُمَتِّعُهُ قليلًا.

الصفحة التالية