الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (13)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
وعن ابن عباس في قوله -تعالى-: ( رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) قال: كان إبراهيم يحجرها على المؤمنين دون الناس، فأنزل الله: ( ومَنْ كَفَرَ ) أيضًا أرزقهم كما أرزق المؤمنين، أأخلق خلقًا لا أرزقهم؟! أمتعهم قليلًا، ثم أَضْطَرُّهم إلى عذاب النار وبئس المصير، ثم قرأ ابن عباس: ( كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ) (الإسراء:20) ، رواه ابن مردويه. وروي عن عكرمة ومجاهد نحو ذلك أيضًا.
وهذا كقوله -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ . مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ) (يونس:69- 70) ، وقوله -تعالى-: ( وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ . نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ ) (لقمان:23-24) ، وقوله -تعالى-: ( وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ . وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ . وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ) (الزخرف:33- 35) .
( قلتُ: فينبغي لكل عاقلٍ أن يتدبَّر هذه الآيات، وما تضمنته من المعاني العظيمة، فإن الله يعطي الدنيا لمَن أحبَّ ولمَن كره، ولكنه لا يعطي الدِّين إلا لمَن أحبَّه، فمَن أعطاه الله الدين فقد أحبَّه؛ فلا يغترن بتقلب الذين كفروا في البلاد، وما أعطاهم الله من كثرة المال، وكثرة أنواع النعيم والرخاء والتقدُّم في علوم الدنيا؛ فإنهم كما وصفهم الله لا يعلمون ( يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ) (الروم:7) ، وإن انكسار المسلمين أمام الأفكار الغربية؛ لأنهم أهل رزق واسع في دنياهم، وتقدُّم دنيوي؛ مِن أعظم الأمور خطرًا على المسلمين؛ فليحذر المسلمون مِن أن يتبعوا خطواتهم، فإنما هي طيباتهم عُجَّلت لهم في الحياة الدنيا، ثم يوم القيامة يضطرهم الله إلى عذاب جهنم وبئس المصير).
قال ابن كثير -رحمه الله-: "وقوله: ( ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) أي: ثم أُلْجِئُه بعد متاعه في الدنيا وبَسْطِنا عليه من ظلِّها إلى عذاب النار وبئس المصير. ومعناه: أن الله -تعالى- يُنْظِرُهم ويمهلهم ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، كقوله -تعالى-: ( وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ ) (الحج:48) ، وفي الصحيحين: ( لَا أَحَدَ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ؛ إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ لَهُ وَلَدًا، وَهُوَ يَرْزُقُهُمْ وَيُعَافِيهِمْ )، وفي الصحيح أيضًا: ( إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ ) ثم قرأ قوله -تعالى-: ( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) (هود:102) .
وقرأ بعضهم: ( قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ) الآية، جعله مِن تمام دعاء إبراهيم، وهي قراءة شاذة مخالفة للقراء السبعة، وتركيب السياق يأبى معناها، والله أعلم؛ فإن الضمير في ( قَالَ ) راجع إلى الله -تعالى- في قراءة الجمهور، والسياق يقتضيه، وعلى هذه القراءة الشاذة يكون الضمير في ( قَالَ ) عائدًا على إبراهيم، وهذا خلاف نظم الكلام، والله -سبحانه- هو العلَّام.
وأما قوله -تعالى-: ( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ )، فالقواعد: جمع قاعدة، وهي السارية والأساس، يقول -تعالى-: واذكر يا محمد لقومك بناء إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- البيت، ورفعهما القواعد منه، وهما يقولان: ( رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ).
وحكى القرطبي وغيره عن أُبَي وعن ابن مسعود أنهما كانا يقرآن: "وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ويقولان ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم". قلتُ: ويدل على هذا قولهما بعده: ( رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ )، فهما في عملٍ صالحٍ، وهما يسألان الله -تعالى- أن يتقبل منهما".
( قلتُ: قراءة أُبَي وابن مسعود كأنها قراءة تفسيرية، أو أنها كانت قراءة نُسِخَت تلاوتها. والله أعلى وأعلم).
قال ابن كثير -رحمه الله-: "روى ابن أبي حاتم عن وُهَيْب بن الوَرْد: أنه قرأ: ( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ) ثم يبكي، ويقول: يا خليل الرحمن، ترفع قوائم بيت الرحمن وأنت مشفق أن لا يُتَقَبَّل منك!
وهذا كما حكى الله -تعالى- عن حال المؤمنين الخُلَّص في قوله -تعالى-: ( وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا ) أي: يعطون ما أعطوا من الصدقات والنفقات والقُرُبَات ( وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ) (المؤمنون:60) ، أي: خائفة أن لا يتقبل منهم، كما جاء به الحديث الصحيح عن عائشة، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
وقال بعض المفسرين: الذي كان يرفع القواعد هو إبراهيم، والداعي إسماعيل. والصحيح أنهما كانا يرفعان ويقولان، كما سيأتي بيانه" (انتهى من تفسير ابن كثير -رحمه الله-) .