معجزات النبي -صلى الله عليه وسلم- (6) (موعظة الأسبوع) معجزات في طريق الهجرة النبوية
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
مقدمة:
- تذكير بما سبق مِن أن الله أجرى على يد أنبيائه ورسله من الآيات والمعجزات القاطعة، ما يدل على صدقهم ولا يدع عذرًا لأحدٍ في عدم الإيمان بهم وطاعتهم: قال -تعالى-: ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ ) (الحديد: 25) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مَا مِثْلهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ ) (متفق عليه) .
- الإشارة إلى أننا لا زلنا نتناول المعجزات التي كانت في الفترة المكية، ونختمها هذه المرة بالمعجزات التي واكبت هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهي تدور على نوعين:
الأول: رد كيد المشركين في محاولة منعه من الهجرة.
والثاني: حِفْظ الله له -صلى الله عليه وسلم- ورعايته له في طريق الهجرة.
(1) حفظه -صلى الله عليه وسلم- عند خروجه من مكة:
- حفظ الله له في ليلة الهجرة، وقد دبَّروا لقتله، وخروجه من بين أيدى المشركين دون أن يروه: قال -تعالى-: ( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) (الأنفال:30) ، وقال -تعالى-: ( وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ) (يس:9) ، قال أصحاب السِّيَر: "وخرج النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- من البيت واخترق صفوفهم، وأخذ حفنة من البطحاء فجعل يذره على رؤوسهم، وقد أخذ الله أبصارهم عنه فلا يرونهم، وهو يتلو: ( وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ) (كما في رواية ابن كثير في البداية والنهاية، 3/ 185) .
- حفظ الله له في غار ثور، وقد وصل المشركون إليه، يريدونه حيًّا أو ميتًا، فأعماهم الله عنه: قال -تعالى-: ( إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ) (التوبة:40) ، وعن أبي بكر -رضي الله عنه- قال كُنْتُ مع النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في الغَارِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فإذا أنا بأَقْدامِ القَوْمِ، فَقُلتُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، لو أنَّ بَعْضَهُمْ طَأْطَأَ بَصَرَهُ رَآنا، قالَ: ( اسْكُتْ يا أبا بَكْرٍ، اثْنانِ اللَّهُ ثالِثُهُما ) (متفق عليه) .
(2) غور قوائم فرس مَن تتبعه مِن المشركين في الأرض ومنعه من الوصول إليه:
- ولقد كان ذلك سببًا في إسلام مَن أراد به السوء، لما رأى أمرًا خارقًا يدل على تأييد الله وحفظه للنبي -صلى الله عليه وسلم-، روى البخاري عن شراقة بن جعشم قال: جاءَنا رُسُلُ كُفّارِ قُرَيْشٍ، يَجْعَلُونَ في رَسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وأَبِي بَكْرٍ، دِيَةَ كُلِّ واحِدٍ منهما (مائة بعير)، مَن قَتَلَهُ أوْ أسَرَهُ، فَبيْنَما أنا جالِسٌ في مَجْلِسٍ مِن مَجالِسِ قَوْمِي بَنِي مُدْلِجٍ، أقْبَلَ رَجُلٌ منهمْ، حتَّى قامَ عليْنا ونَحْنُ جُلُوسٌ، فقالَ يا سُراقَةُ: إنِّي قدْ رَأَيْتُ آنِفًا أسْوِدَةً بالسَّاحِلِ، أُراها مُحَمَّدًا وأَصْحابَهُ، قالَ سُراقَةُ: فَعَرَفْتُ أنَّهُمْ هُمْ، فَقُلتُ له: إنَّهُمْ لَيْسُوا بهِمْ، ولَكِنَّكَ رَأَيْتَ فُلانًا وفُلانًا، انْطَلَقُوا بأَعْيُنِنا، ثُمَّ لَبِثْتُ في المَجْلِسِ ساعَةً، ثُمَّ قُمْتُ فَدَخَلْتُ فأمَرْتُ جارِيَتي أنْ تَخْرُجَ بفَرَسِي، وهي مِن وراءِ أكَمَةٍ، فَتَحْبِسَها عَلَيَّ، وأَخَذْتُ رُمْحِي، فَخَرَجْتُ به مِن ظَهْرِ البَيْتِ، فَحَطَطْتُ بزُجِّهِ الأرْضَ، وخَفَضْتُ عالِيَهُ، حتَّى أتَيْتُ فَرَسِي فَرَكِبْتُها، فَرَفَعْتُها تُقَرِّبُ بي، حتَّى دَنَوْتُ منهمْ، فَعَثَرَتْ بي فَرَسِي، فَخَرَرْتُ (سقطتُ) عَنْها، فَقُمْتُ فأهْوَيْتُ يَدِي إلى كِنانَتِي، فاسْتَخْرَجْتُ مِنْها الأزْلامَ فاسْتَقْسَمْتُ بها: أضُرُّهُمْ أمْ لا، فَخَرَجَ الذي أكْرَهُ، فَرَكِبْتُ فَرَسِي، وعَصَيْتُ الأزْلامَ، تُقَرِّبُ بي حتَّى إذا سَمِعْتُ قِراءَةَ رَسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، وهو لا يَلْتَفِتُ، وأَبُو بَكْرٍ يُكْثِرُ الِالْتِفاتَ، ساخَتْ يَدا فَرَسِي في الأرْضِ، حتَّى بَلَغَتا الرُّكْبَتَيْنِ، فَخَرَرْتُ عَنْها، ثُمَّ زَجَرْتُها فَنَهَضَتْ، فَلَمْ تَكَدْ تُخْرِجُ يَدَيْها، فَلَمَّا اسْتَوَتْ قائِمَةً، إذا لأثَرِ يَدَيْها عُثانٌ ساطِعٌ في السَّماءِ مِثْلُ الدُّخانِ، فاسْتَقْسَمْتُ بالأزْلامِ، فَخَرَجَ الذي أكْرَهُ، فَنادَيْتُهُمْ بالأمانِ فَوَقَفُوا، فَرَكِبْتُ فَرَسِي حتَّى جِئْتُهُمْ، ووَقَعَ في نَفْسِي حِينَ لَقِيتُ ما لَقِيتُ مِنَ الحَبْسِ عنْهمْ، أنْ سَيَظْهَرُ أمْرُ رَسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-. فَقُلتُ له: إنَّ قَوْمَكَ قدْ جَعَلُوا فِيكَ الدِّيَةَ، وأَخْبَرْتُهُمْ أخْبارَ ما يُرِيدُ النَّاسُ بهِمْ، وعَرَضْتُ عليهمُ الزَّادَ والمَتاعَ، فَلَمْ يَرْزَآنِي ولَمْ يَسْأَلانِي، إلَّا أنْ قالَ: ( أخْفِ عَنَّا )، فَسَأَلْتُهُ أنْ يَكْتُبَ لي كِتابَ أمْنٍ، فأمَرَ عامِرَ بنَ فُهَيْرَةَ فَكَتَبَ في رُقْعَةٍ مِن أدِيمٍ (جِلْد)، ثُمَّ مَضَى رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-. (رواه البخاري) .
وجوه الإعجاز في الحادثة:
- الأول: ضرب سُرَاقة لأزلامه التي كتب عليها: (أضرهم أو لا أضرهم)، ويتكرر الأمر معه أربع مرات (1) : فيخرج قدح "لا تضرهم"، وهو أمر ليس بالعادي، وإنما هو مِن تقدير الله لحفظ رسوله -صلى الله عليه وسلم-.
- الثاني: عثر فرس سراقة به عدة مرات، ولم يكن مِن عادة فرسه العثور -كما في بعض الروايات-، مع كونه فارس مغوار، ولم يكن مِن عادته السقوط، فالأمر ليس عاديًا، وإنما ذلك مِن حِفْظ الله لنبيه -صلى الله عليه وسلم-.