معجزات النبي -صلى الله عليه وسلم- (6) (موعظة الأسبوع) معجزات في طريق الهجرة النبوية
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
- الثالث: غور يدي فرس سراقة في الأرض، فالأرض تناصِر النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتمنع تقدم الأعداء من الوصول إليه، فإن الأرض لم تنبعج تحت أرجل دواب قافلة النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا قلنا بأنها كانت سبخة.
- الرابع: ثوران الدخان من الأرض نصرة للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فمن أين كان؟ وما مصدره؟ والجواب: أنه تقدير القوي العزيز ليمنع الأعداء من الوصول إليه -صلى الله عليه وسلم-(2).
(3) آيات في خيمة أم معبد الخزاعية:
- شاة أم معبد الهزيلة، الحبيسة عن الرعي لضعفها، تدر اللبن الذي يسقي الطائفة من الناس، ببركة النبي -صلى الله عليه وسلم-: "عن حبيش بن خالد: أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- خرجَ من مَكَّةَ مُهاجرًا إلى المدينةِ، وأبو بَكْرٍ -رضيَ اللَّهُ عنهُ-، ومولى أبي بَكْرٍ عامرُ بنُ فُهَيْرةَ، ودَليلُهُما اللَّيثيُّ عبدُ اللَّهِ بنُ أُرَيْقطٍ، فمرُّوا علَى خَيمتَي أمِّ معبدٍ الخزاعيَّةِ، وَكانتِ امرأةً برزةً جَلدةً تَحتَبي بِفناءِ الخَيمةِ، ثمَّ تَسقي وتُطعمُ، فسأَلوها لَحمًا وتمرًا ليشتَروا مِنها، فلَم يُصيبوا عندَها شيئًا من ذلِكَ، وَكانَ القَومُ مُرمِلينَ مُسنِتينَ، فنظرَ رسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إلى شاةٍ في كَسرِ الخيمةِ، فقالَ: "ما هذِهِ الشَّاةُ يا أمَّ معبدٍ؟"، قالت: شاةٌ خلَّفَها الجَهْدُ عنِ الغَنمِ، قالَ: "هل بِها من لبَنٍ؟"، قالت: هيَ أجهدُ من ذلِكَ، قالَ: "أتأذَنينَ لي أن أحلبَها؟"، قالت: بأبي أنتَ وأمِّي، إن رأيتَ بِها حلبًا فاحلِبها، فدَعا بِها رسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، فمسَحَ بيدِهِ ضَرعَها، وسمَّى اللَّهُ -تعالى-، ودعا لَها في شاتِها، فتفاجَّتْ عليهِ ودرَّت، فاجترَّت فدَعا بإناءٍ يربضُ الرَّهطُ فحلَبَ فيهِ ثجًّا حتَّى عَلَاهُ البَهاءُ، ثمَّ سَقاها حتَّى رَوِيَت وسَقَى أصحابَهُ حتَّى رَوَوا وشربَ آخرَهُم حتَّى أراضوا، ثمَّ حلَبَ فيهِ الثَّانيةَ على هدَّةٍ حتَّى ملأَ الإناءَ، ثمَّ غادرَهُ عندَها، ثمَّ بايعَها وارتَحلوا عَنها، فقالَ ما لبثَت حتَّى جاءَها زوجُها أبو مَعبدٍ ليسوقَ أعنُزًا عِجافًا يتساوَكْنَ هِزالًا مُخُّهنَّ قليلٌ، فلمَّا رأى أبو مَعبدٍ اللَّبنَ أعجبَهُ، قالَ: مِن أينَ لَكِ هذا يا أمَّ معبدٍ والشَّاءُ عازبٌ حائلٌ، ولا حَلوبَ في البيتِ؟ قالَت: لا واللَّهِ؛ إلَّا أنَّهُ مرَّ بنا رجلٌ مبارَكٌ من حالِهِ كذا وَكَذا"(3).
وجوه الإعجاز في الحادثة:
الأول: كون الشاة عازبًا حائلًا -أي: صغيرة السن لا تصلح للحلب أصلًا-، ففي القصة: "فلمَّا رأى أبو مَعبدٍ اللَّبنَ أعجبَهُ، قالَ: مِن أينَ لَكِ هذا يا أمَّ معبدٍ والشَّاءُ عازبٌ حائلٌ؟".
الثاني: دعاؤه -صلى الله عليه وسلم- بإناءٍ كبيرٍ يكفي الجماعة الكبيرة، كما في القصة: "فدَعا بإناءٍ يربضُ الرَّهطُ".
الثالث: إقبال الشاة عليه -صلى الله عليه وسلم- مع أنها لم تعتد الحلب قبل ذلك، كما في القصة: "فتفاجأت عليهِ ودرَّت، فاجترَّت".
الرابع: نزول اللبن من الشاة التي تحلب لأول مرة باندفاعٍ شديدٍ، كما في القصة: "فحلَبَ فيهِ ثجًّا حتَّى علاهُ البَهاءُ".
الخامس: حلبها مرة ثانية، والعادة تكون مرة واحدة، والأعجب كثرة الحليب كما في القصة: "ثمَّ سَقاها حتَّى رَوِيَت وسقى أصحابَهُ حتَّى رَوَوا وشربَ آخرَهُم حتَّى أراضوا، ثمَّ حلَبَ فيهِ الثَّانيةَ على هدَّةٍ حتَّى ملأَ الإناءَ، ثمَّ غادرَهُ عندَها".
خاتمة:
وكانت هذه هي آخر معجزات النبي -صلى الله عليه وسلم- في الفترة المكية، والتي كانت أكثرها لتحدي للمشركين، وللدلالة على صدقه -صلى الله عليه وسلم-، ومع ذلك لم يؤمنوا! وبذلك تأتي معنا بعد ذلك الفترة المدنية التي كانت المعجزات فيها تتسم بالتثبيت للأتباع، وهذا ما يأتي عليه الحديث من المرة القادمة -إن شاء الله-.
نسأل الله أن يجمعنا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- الكريم في جنات النعيم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وفي بعض الروايات: "أن الفَرَس غاصت بقوائمها الأربع حتى بطنها".
(2) وهناك وجه خامس لو صَحَّ الخبر به، وهو: تبشير النبي -صلى الله عليه وسلم- بفتح بلاد فارس، وإخبار سراقة بأنه سيلبس سواري كسرى، فقد ذكر ذلك الحافظان: ابن عبد البر وابن حجر -رحمهما الله- في ترجمتهما لسراقة بن مالك -رضي الله عنه- فقالا: "روى سفيان بن عيينة عن أبي موسى عن الحسن أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لسراقة: كيف بك يا سراقة اذا لبست سواري كسرى؟": قال فلما أُتي عمر -رضي الله عنه- بسواري كسرى ومنطقه وتاجه دعا سراقة بن مالك فألبسه إياهما، وقال له: "ارفع يدك، فقال: الله أكبر والحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز، وألبسهما سراقة الأعرابي!".