ملخص كتاب: "تنظيم الأسرة وتنظيم النسل" للعلامة الأزهري "محمد أبو زهرة" (4) ضوابط رخصة تنظيم النسل
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المرأة والأسرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
تمهيد:
هذا هو الجزء الثالث مِن تلخيص كتاب: "تنظيم الأسرة وتنظيم النسل" للعلامة الأزهري "محمد أبو زهرة" -رحمه الله تعالى-، وقد اخترتُ له عنوان: "ضوابط رخصة تنظيم النسل".
وسوف يرى القارئ مِن عرض العلامة "أبو زهرة" أنه بالفعل ورد في السُّنَّة إباحة العزل -وهو الصورة التي كانت معروفة في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- لمنع الحمل-؛ إلا أن هذا الإذن جاء استثناءً من نصوص كثيرة تحضُّ على كثرة النسل؛ بل والنصوص التي فيها الإذن ورد فيها ما يبيِّن أن هذا ليس هو الأصل، ومِن ثَمَّ يُصنَّف منع الحمل باعتباره رخصة، والرخصة لا ينبغي التوسُّع في الحض عليها، وقد ناقش الشيخ اعتبار منع الحمل أداة تنظيم اقتصادي فأجاد في ذلك -رحمه الله-.
يقول -رحمه الله- ما ملخصه:
"تاريخ الدعوة إلى تحديد النسل" (1)
وإن الدعاية لتحديد النسل ظهرت في البلاد الإسلامية من مصادر أووربية وأمريكية، ولم تُفرِّق بين بلدٍ ذات موارد كثيرة وأخرى قليلة، وكانت في الماضي تظهر وتختفي؛ حتى إذا احتلت إسرائيل الأرض المقدسة، وأخرجوا أهلها من ديارهم وأموالهم وأرضهم، وظاهر على إخراجهم الأمريكان والإنجليز وغيرهم من أهل أوروبا، وأكثر أهل أمريكا = عندئذٍ وجدنا الدعاية إلى تحديد النسل تعود جذعة قوية في عنف ولَجَاجَة، وتخص البلاد العربية التي تحيط بإسرائيل بالدعاية، تحتل ربوعها حتى ما كان منها سكانه لا يصل إلى خمسة ملايين، وفيه موارد طبيعية تتسع لثلاثين أو أربعين، وفي أهله مهارة في الصناعة، وكياسة في التجارة كسوريا.
وكادت الفكرة الباعثة تنكشف بهذا التعميم؛ فاتجهوا إلى التخصيص إلى حدٍّ، وخصوا مصر بالدعاية اللجوج؛ لأن دعوى قلة الموارد الطبيعية فيها ربما تروج؛ ولأن سكانها في نماء ببركة الله -تعالى-؛ ولأنها تقف بالمرصاد في الصدر لإسرائيل؛ ولأن جيشها المظفَّر بعون الله -تعالى- هو قوة العرب أجمعين، وفيه عتادهم؛ ولأنها هي قبر أمراء الصليبيين؛ ولأنها هي التي ردَّت التتار على أعقاهم خاسرين.
معرفة الاستفتاء يؤثر على الفتوى (2)
ولقد كان الإمام أحمد -رضي الله عنه- يحرص على ألا يَفتي المفتي في أمرٍ إلا بعد أن يعرف وقائع الفتوى والباعث على الاستفتاء، ونفسية المستفتي، فقد يتخذ من الحق ذريعة لباطل.
وإنَّا لهذا ندرس موضوع تحديد النسل من الناحية الدينية، ثم ندرس الباعث الذي يتذرَّع به الذين يتكلمون فيه.
إن الإسلام دعا إلى النكاح، وحثَّ عليه، واعتبره النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- سنة الإسلام، فقال -عليه الصلاة والسلام- في الدعوة إليه: "إِنَّ مِنْ سُنَّتِنَا النِّكَاحُ، ومَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِنَا فَلَيْسَ مِنَّا"، ودعا -عليه الصلاة والسلام- الشباب إلى النكاح، فقال -عليه الصلاة والسلام-: ( يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَن استَطَاعَ البَاءَةَ -أي: تكاليف الزواج- فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ - أي: عصمة من الزلل-) (رواه البخاري) .
والأحاديث الصحاح الواردة في الدعوة إلى النكاح كثيرة، ولا نريد أن نحصيها عدًّا، وذلك معروف لا يحتاج إلى الإطالة، وذكر بعضه يغني عن ذكر كله.
والمقصد الأول من الزواج هو النسل والإكثار منه، فقد روى الإمام أحمد عن أنس أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، إِنِّي مُكَاثِرٌ الْأَنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )، وعن معقل بن يسار -رضي الله عنه- قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: إِنِّي أَصَبْتُ امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ وَجَمَالٍ، وَإِنَّهَا لَا تَلِدُ، أَفَأَتَزَوَّجُهَا، قَالَ: ( لَا ) ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ فَنَهَاهُ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: ( تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ ) (رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني) . وهذان حديثان مرفوعان لم يتكلم العلماء في رواتهم.
ورُوي عن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- أنه قال: "الحَصِيرُ في نَاحِيَةِ البَيْتِ خَيْرٌ مِنَ امْرَأَةٍ لَا تَلِدُ"، وقد قالوا: إنه موقوف على عمر -رضي الله عنه-، وحديث يكون موقوفًا على عمر -رضي الله عنه، وهو الصادق الأمين الفاهم للإسلام حقَّ الفهم- لا يمكن إلا أن يكون معبِّرًا تعبيرًا دقيقًا عن صفاته.
ورُوي أن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- قال: ( خَيْرُ نِسائِكُمُ الوَلُودُ الوَدُودُ ) (رواه البيهقي، وصححه الألباني) ، وقد قال أهل الخبرة: إنه مرسل؛ لأنه لم يذكر الصحابي، والمرسل حجة عند أبي حنيفة ومالك، وحجة عند الشافعي إذا عاضده مسندٌ في معناه، وأحمد -رضي الله تبارك وتعالى عنه- رَوَى الحديثَ مسندًا برواية أخرى عن أنس، ومثلها عن ابن عمر -رضي الله تبارك وتعالى عنهما-.
وقد رُويت في الدعوة إلى الإكثار من النسل أحاديث كثيرة، ويذكر أهل الخبرة بالحديث أنه في بعض الرواة مَن فيه ضعف؛ ولكن يذهب بضعف الضعفاء کثرة الرواية عن الأصحاء، وتضافر المعنى في كل الأخبار؛ ولذلك قال ابن حجر بعد أن ذكر الأحاديث التي في رواتها بعض الضعفاء، ما نصه: "وهذه الأحاديث -وإِنْ كان في الكثير منها ضعف- مجموعها يدل على ما يحصل به المقصود من الترغيب في التزويج؛ ولكن في حق مَن يتأتى منه النَّسْل" (فتح الباري) .
إذًا فالإكثار من النسل مطلوب في ذاته، وهو غاية الزواج الأولى السامية في الإسلام، وإن ذلك هو الفطرة والطبيعة الإنسانية؛ بل الطبيعة الحيوانية، ولا شك أن منع النسل ضد الفطرة، والإسلام دين الفطرة كما قال -تعالى- في كتابه الكريم: ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) (الروم:30) .