ملخص كتاب: "تنظيم الأسرة وتنظيم النسل" للعلامة الأزهري "محمد أبو زهرة" (4) ضوابط رخصة تنظيم النسل
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المرأة والأسرة
وأن الله -سبحانه وتعالى- دعا إلى الاعتماد عليه في رزق الأولاد، بعد أن يأخذ كلٌ طريقه في الكسب الحلال، فقال -تعالى-: ( وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ) (الأنعام:151) ، وقوله -تعالى-: ( وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ) (الإسراء:31) ، وإن التعاون الذي فرضه الله -تعالى- على المؤمنين، والتكافل الاجتماعي الذي أوجبه عليهم يوجبان أن يُعِين الغني الفقير، وذو الميسرة ذا الحاجة؛ فإذا كان هناك ذو عيال لا يجد ما يكفيهم بالمعروف كان على مَن يجد أن يمدهم بالعون، والدولة تأخذ مِن القادر لتكفل غير القادر، فالنسل قوة للأمة، وبدل أن نقول لكثير العيال: اقتل أسباب النسل في أصلاب أو أرحام الأمهات.. نقول للدولة: خذي من ذوي الفضل من المال، وأعطي مَن يحتاج، والجميع بكثرتهم قوة للأمة.
رخصة العزل (3)
هذه هي النظرة العامة للشريعة بالنسبة للنسل، وهي تدعو إلى الإكثار، فالأحاديث تحث عليه، والقرآن يشير إليه وهو الفطرة، وتحديده يناقضها، ولكن وردت أحاديث في العزل، وهو إلقاء النطفة في غير مقرها من الأرحام؛ لكيلا يكون إنتاج، وفي بعضها صحة وقوة، فما مَدَى دلالتها وقوتها في الوقوف أمام الدعوة إلى الإكثار من النسل؟
فلننظر في هذا، فإن كثيرين من الذين يتكلمون في هذا يتخذون منها دليلًا للدعاية العامة لتحديد النسل.
لقد وردت أحاديث في العزل بعضها متفق عليه في الصحاح، وبعضها في سنده ضعف، ولنذكر ما عثرنا عليه مُنبِّهين إلى الضعف، ومُوفِّقين بين ما ظاهره التعارض.
1- رُوي عن جابر: "كُنَّا نَعْزِلُ عَلى عَهْدٍ رَسُولِ اللهِ -صلَّى اللهُ تعالى عليه وسَلَّم- والقرآنُ يَنْزِلُ"، وهو حديث متفق عليه، وفي رواية مسلم زيادة: "فَبَلَغَهُ فَلْمْ يَنْهَنَا".
2 - ورُوي عن جابر: "أن رجلًا أتى النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم-، فقال: ‘نَّ رَجُلًا أَتى رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقالَ: إنَّ لي جارِيَةً، هي خادِمَتُنَا وَساقِيَتُنا، وَأَنا أَطُوفُ عَلَيْها، وَأَنا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ، فَقالَ: ( اعْزِلْ عَنْها إنْ شِئْتَ، فإنَّه سَيَأْتِيها ما قُدِّرَ لَهَا ) (رواه مسلم وأحمد وأبو داود) .
3- عن أبي سعيد -رضي الله عنه- قال: كُنَّا في غزوة بني المصطلق، فأصبنا سبية من العرب فسألنا عن ذلك رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم-، فقال: ( لَا، عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا، مَا كَتَبَ اللهُ خَلْقَ نَسَمَةٍ هِيَ كَائِنَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، إِلَّا سَتَكُونُ ) (متفق عليه) .
وظاهرٌ أن المراد: النهي عن العزل كما قرر ابن سيرين؛ لأن حرف ( لَا ) للنهي، وقد تأكَّد النهي من بعد ذلك بقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا )، وبيان أن الله کتب ما هو خالق إلى يوم القيامة.
4- عن أبي سعيد الخدري قال: وقالت اليهود: العزل الموءودة الصغرى، فقال النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم-: " كَذَبَتْ يَهُودُ إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَهُ، لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يَصْرِفَهُ " (رواه أحمد) ، وقد ضُعِّفَ بعضُ رواته، ويعارضه حديث أقوى منه سندًا.
5- عن جذامة بنت وهب الأسدية قالت: حضرتُ رسولَ الله -صلى الله تعالى عليه وسلم- في أناسٍ سألوه عن العزل، فقال -عليه السلام-: ( ذَلِكَ الوَأْدُ الخَفِيُّ، وإِذَا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بَأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ) (رواه مسلم وأحمد) ، وهذا حديث صحيح، كل رجاله ثقات؛ ولذا لا يقف أمامه عند التعارض حديث أبي سعيد الخدري الخاص بموءودة اليهود؛ لأن في حديث أبي سعيد ضعفًا، وهذا لا ضعف فيه، وبأنه يعاضده حديث غزوة بني المصطلق، والنهي عن العزل فيه صريح، ومِن العلماء مَن رَجَّح حديث أبي سعيد؛ لأن له طرقًا مختلفة، ولكن في كلها ضعف، والقوي لا يُعارَض بأحاديث قد كثرت طرق ضعفها، وقد قال الحافظ ابن كثير في ذلك: "هذا دفع للأحاديث الصحيحة بالتوهم، والحديث صحيح لا ريب فيه".
الجمع بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض في شأن العزل (4)
والذي نراه بادي الرأي: أن هنا حديثين مُتفقًا عليهما متعارضان هما؛ حديث جابر: "كُنَّا نَعْزِلُ"، وحديث: "بَنِي المُصْطَلِق". ومثلهما حديث: ( الوَأْدُ الخَفِيُّ ) مع حديث تكذيب اليهود متعارضان.
ولذلك اختلف العلماء في جواز العزل، ففريق جوَّزه، وفريق منعه، ومِن هؤلاء: ابن حزم وبعض الحنابلة، والذين أجازوه -أجازوه على أنه رخصة فردية، وإن اختلفوا في أسباب هذه الرخصة ما بين مُوسِّع ومُضيِّق،
ومِن أشد مَن وَسَّعوا الغزالي في الإحياء، فقد وَسَّع في أسباب الرخصة.
ومع ذلك فقد قَرَّر الغزالي مع غيره: أن العزل ترك الأفضل؛ بل إنه مكروه، وإليك كلامه في التعليق على حديث جذامة بنت وهب عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقد قال: "قوله -عليه السلام-: ( الوَأْدُ الخَفِيُّ ) يوجب كراهة لا تحريمًا" (5) .
وننتهي مِن هذا إلى أن بعض الفقهاء يقرر أنه ممنوع، وبعضهم يقرر أنه غير ممنوع، ولكنه ترك للأفضل، ومنهم مَن يقول: إنه مكروه.
وفي الجملة: إن الإباحة لا تكون إلا برخصة باعثة، وفي غيرها لا يكون جائزًا، هذا ما ينتهي إليه التفكير السليم.
ويجب أن نقرر أن العزل أو المنع الشخصي للنسل يتعارض مع الفطرة، وفيه معارضة الأحاديث المتفق عليها الداعية إلى تكثير النسل، ويعارضه أيضًا الأحاديث الصريحة المانعة له، حتى قال بعض العلماء: إنها ناسخة لأحاديث الإباحة على سبيل الرخصة، وخصوصًا الحديث الصحيح الذي قال: إنه ( الوَأْدُ الخَفِيُّ ).
ثم تعارضه قاعدة أجمع عليها المسلمون، وهي: "المحافظة على النسل"، فقد أجمع العلماء على أن الضرورات التي تجب المحافظة عليها خمس، هي: "النفس، والدِّين، والعقل، والنسل، والمال"، فنظرية منع النسل معارضة صريحة ليكون المحافظة على النسل من الأمور الضرورية في الإسلام بإجماع العلماء.
العزل رخصة فردية، ولكن النسل مطلوب كلي: