شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

ملخص كتاب: "تنظيم الأسرة وتنظيم النسل" للعلامة الأزهري "محمد أبو زهرة" (4) ضوابط رخصة تنظيم النسل

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المرأة والأسرة

تبيَّن مِن البحث السابق أن المنع الفردي للنسل ترك للأفضل أو مكروه، وإذا وُجد موجبه عند الفرد كان مُباحًا على مقدار هذه الرخصة الفردية، ولا يوجد في الفقه الإسلامي ما يجعل الرخصة جماعية لأمة من الأمم أو لإقليم من الأقاليم، فالرخص دائمًا فردية.

وإذا انتهينا إلى الإباحة في هذه الدائرة، فإنه من المقررات الشرعية أن المباح بالشخص أو بالجزء يكون إما مطلوبًا بالكل، أو ممنوعًا بالكل على حسب موافقته للمبادىء الكلية المقررة في الشريعة، أو مناقشتها، فإن كان خادمًا للمبادىء الشرعية الثابتة كان مطلوبًا بالکل، مباحًا بالجزء، وإن كان مناقضًا للمبادىء الكلية العامة في الشريعة، كان مباحًا بالجزء حرامًا بالكل.

كلام نفيس للشاطبى فى بيان هذا الأمر:

ولنترك الكلمة للشاطبي في الموافقات، فهو يقول: "إن المباح ضربان: أحدهما: إما أن يكون خادمًا لأصل ضروري أو حاجي أو تكميلي. والثاني: ألَّا يكون كذلك.

فالأول: قد يُرَاعَى ما هو خادم له، فيكون مطلوبًا ومحبوًبا فعله، وذلك كالتمتع بما أحلَّ الله -تعالى- من المأكل والمشرب ونحوهما مباح في نفسه، وإباحته بالجزء، وهو خادم لأصله ضروري، وهو إقامة الحياة، فهو مأمور به من هذه الجهة، ومعتبر ومحبوب من حيث هذا الكلي المطلوب، فالأمر به راجع إلى حقيقته الكلية، لا إلى اعتباره الجزئي.

والثاني: إما أن يكون خادمًا لما ينقض أصلًا من الأصول الثلاثة المعتبرة، أو لا يكون خادمًا لشيء كالطلاق؛ فإنه تركٌ للحلال الذي هو خادم لكلي هو إقامة النسل في الوجود، وهو ضروري لإقامة مطلق الألفة والمعاشرة، واشتباك العشائر بين الخلق، وهو ضروري أو حاجي أو مكمل لأحدهما، فإذا كان الطلاق بهذا النظر خرقًا لذلك المطلوب ونقضًا عليه؛ كان مبغضًا ولم يكن فعله أولى من تركه، أو بعارض أقوى کالشقاق (بين الزوجين)، وعدم إقامة حدود الله، وهو مِن حيث كان جزئيًّا في هذا الجزئي، وفي هذا الزمان مباح وحلال" (انتهى كلام الشاطبي) .

وبتطبيق (6) هذه القواعد على قضية منع النسل نقرر الأمر الشرعي في هذه القضية أنه إذا أبيح لرخصة، فإنه يباح للشخص الذي كانت عنده الرخصة، ولا يباح كقاعدة عامة تعمُّ الناس في إقليم أو أمة؛ بحيث ينتفع بالإباحة صاحب الرخصة وغيرها، ثم هو خادم لأمر يناقض مبدأ مقررًا ثابتًا، وهو المحافظة على النسل والإكثار منه الذي جاءت به الأحاديث الصريحة المتَّفَق عليها.

ونريد أن نطبق هذا الحكم على ما يجري الآن في مصر، تقوم الجماعات التي أصلها قد أنشئت للخير، وبعض الرعايات الاجتماعية بإعطاء أقراص أو حبوب لمنع النسل، وتقوم دعاية صحفية، وعلى منبر الإذاعة المرئية وغير المرئية لتحديد نسل الأمة بدعوى قلة الموارد، وتزايد السكان، باسم جواز ذلك شرعًا، وقد رأينا حكم الشرع، وأنه لا يجوز منع النسل بالکل، ولا يباح كأمر عام؛ لأنه يعارض قوله -تعالى-: ( نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ) (الأنعام:151) ، وقال -تعالى-: ( نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ) (الإسراء:31) ؛ ولذلك نعارض هنا باسم الدِّين، ولا نريد أن نقطع نسلنا، ونقلل جمعنا، ونعصي رسولنا، ونكفر بقدرة ربنا؛ الذي يرزق مَن يشاء بغير حساب.

خاتمة:

بعد أن تعرَّض الشيخُ -رحمه الله- إلى المناقشة الشرعية، ناقش القضية من الناحية الدنيوية وكيفية الاستفادة من ثروة النسل، وهو كلام -وإن بدا مرتبطًا بزمن كتابة الكتاب-؛ إلا أنه يتضمن رؤية واقعية موجودة إلى يومنا هذا، وإنما تركناه اختصارًا، ولكن ننصح بقراءة الكتاب كاملًا،

نفعنا الله به، وبسائر تراث علمائنا في القديم والحديث.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) العنوان من وضعنا.

(2) العنوان من وضعنا.

(3) العنوان من وضعنا.

(4) العنوان من وضعنا.

(5) نص عبارة الغزالي -رحمه الله- في الإحياء: "وقوله: ( الوَأْدُ الخَفِيُّ ) كقوله: ( الشِّرْكُ الخَفِيُّ )، وذلك يوجب كراهة لا تحريمًا".

(6) وَفْق كلام الشاطبي، في ميزان الشرع العزل والطلاق من بابٍ واحدٍ، لا ينبغي الترغيب فيهما، ولكن كثيرٌ مِن المعاصرين يفرِّقون بينهما.

الصفحة السابقة