الفساد (91) الصناعة ودورها في الاقتصاد المصري (3)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فيملك قطاع الأعمال في مصر 8 شركات قابضة، هي: الشركة القابضة للصناعات الكيماوية، والتشديد والتعمير، والقابضة للسياحة والفنادق، والنقل البحري والبري، والغزل والنسيج، والأدوية، والتأمين؛ بالإضافة إلى القومية للأسمنت، والتي تم تصفيتها مؤخَّرًا.
وهذه الشركات القابضة الثمانية يتبعها 199 شركة تحتاج إلى تطويرها، وحسن استغلال أصولها، وإعادة هيكلها لتحقيق أرباح؛ إذ إن هناك 48 شركة منها، شركات خاسرة!
وهناك العديد مِن البدائل التي طرحتها الحكومة للتعامل مع هذه الشركات وإعادة هيكلتها، منها: تحديثها بالكامل، وغالبًا من خلال دراسات خاصة بالهيكلة والتطوير، تقوم بها مكاتب عالمية متخصصة، على أن يتم هذا التحديث لهذه الشركات؛ إما منفردة أو من خلال دخول شريك فني معها، أو إجراء عمرات كبيرة لخطوط الإنتاج فيها، أو الإغلاق الجزئي، فإن تعذر ذلك كله فهناك الإغلاق الكامل لها؛ هذا إلى جانب رفع كفاءة العاملين بها، وحصر جميع الأراضي المملوكة لهذه الشركات من حيث العدد والمساحة والموقع، والموقف القانوني، مع وصف حالتها وبحث العقود المتعلقة بها، حتى يمكن الاستغلال الأمثل لها، والنظر في وضع الأراضي غير المستغلة منها، مع التوقف وبصورة نهائية عن الاقتراض من البنوك بضمان أصول هذه الشركات، إلى جانب البدء في طرح أسهم شركات منها في البورصة المصرية كما تم من قبل بطرح 5و4 % من أسهم الشركة الشرقية للدخان التابعة للصناعات الكيماوية بحصيلة بلغت 8و1 مليار جنيه، وذلك لاستغلال حصيلة طرح ما يطرح من أسهم هذه الشركات في برامج شركات قطاع الأعمال (راجع في ذلك مقال: "ورطة قطاع الأعمال العام" جريدة الفجر عدد الخميس 11 إبريل 2019 م، 4) .
صناعة الغزل والنسيج:
(عرفت صناعة الغزل والنسيج في مصر في العصر الحديث 3 مراحل: الأولى (مرحلة التأسيس): وهي مرحلة تميزت برغبة وطنية في الاستقلال السياسي والاقتصادي عن الاحتلال البريطاني. الثانية (مرحلة الصعود والازدهار): والتي تميزت بدور كبير للدولة في دعم الصناعة، حتى تحولت منتجات شركات مصرية مثل غزل المحلة إلى اسم تجاري عالمي. أما المرحلة الثالثة فهي: (مرحلة الانهيار): الذي عرفته الصناعة في أعقاب فترة الانفتاح الاقتصادي.
ويعود تاريخ صناعة الغزل والنسيج في العصر الحديث إلى نهايات القرن التاسع عشر، وتحديدًا في عام 1898م مع تأسيس الشركة الأهلية للغزل والنسيج في الإسكندرية، والتي تعد أول مصنع في مصر تأسس لغزل ونسج القطن المصري؛ إلا أنه لم يكن قادرًا على الاستمرار في العمل؛ بسبب عدم قدرته على منافسة المنتج الأجنبي.
وشهد عام 1911م المحاولة الثانية حينما أعيد تأسيس الشركة الأهلية للغزل والنسيج مرة أخرى، باسم شركة الغزل الأهلية بالإسكندرية؛ إلا أنها واجهت هي الأخرى عددًا من الصعوبات في الاستمرار؛ بسبب سياسة الاحتلال الإنجليزي التي كانت تستهدف السيطرة الكاملة على السوق المصرية، وفيما كانت مصر تشهد المحاولة الثانية لبناء صناعة غزل ونسيج وطنية تواجه الهيمنة الاقتصادية للاستعمار البريطاني على مصر، كان أبو الاقتصاد المصري طلعت باشا حرب يصدر كتابه: (علاج مصر الاقتصادي وإنشاء بنك للمصريين).
وفي عام 1911م الذي وضع فيه رؤيته لتحرير الاقتصاد المصري من التبعية الأجنبية، وأهمية تأسيس بنك مصر الذي سيكون له دور كبير في تأسيس العديد من الصناعات الوطنية، وأهمها: صناعة الغزل والنسيج.
تحمس لفكرة طلعت حرب الكثيرون رغم معارضة الاحتلال الإنجليزي، وشرع حرب في تنفيذ فكرته بالفعل إلا أن الحرب العالمية الأولى لعبت دورًا في تعطيلها، حتى طرحت بقوة مرة أخرى خلال ثورة 1919م، وتم تأسيس بنك مصر عام 1920م لتتوالى بعده سلسلة من المشاريع الاقتصادية الوطنية التي أسسها البنك، حيث أنشأ شركة مصر للغزل والنسيج في المحلة الكبرى عام 1927م، والتي مثَّلت البداية الحقيقية لصناعة الغزل والنسيج في مصر، حيث تطورت الصناعة خلال عقدين من الزمان ليس فقط بتأسيس عددٍ مِن شركات الغزل و النسيج الأخرى، وإنما بتحول مصر من دولة مستوردة للغزل إلى دولة مصدرة له في عام 1949) (راجع ملف: "الغزل والنسيج... أزمات تبحث عن حل، الصناعة ملحمة وطنية دمرها غياب السياسات، ودور الدولة" - المصري اليوم - عدد الجمعة 15 ديسمبر 2017م، ص9) .
(في عام 1974م تبنَّت مصر سياسة الانفتاح الاقتصادي، وتراجع دور الدولة في مقابل دور أكبر للقطاع الخاص، بينما كانت السياسات الجديدة وقرارتها المختلفة التي اتخذت في الثمانينيات والتسعينيات سببًا في تدهور صناعة الغزل والنسيج بشكلٍ كبيرٍ)، (قرارات حكومية وقوانين عدة صدرت بعد الانفتاح الاقتصادي وتحديدًا في حقبة التسعينيات كان لها تأثير سلبي على قطاع الغزل والنسيج، بينها قانون الشركات 203 لعام 1991 الذي تشكَّلت بموجبه الشركات القابضة؛ إلا أن القانون الأهم كان القانون 210 لعام 1994م، كان عام 1994 م فارقًا؛ ليس في صناعة الغزل والنسيج المصرية فقط، وإنما أيضًا في تربع مصر على عرش القطن العالمي وتميزها بذهبها الأبيض "القطن طويلة التيلة وفائق الطول".
في هذا العام صدر القانون 210 المعروف بقانون تحرير تجارة القطن الذي وضع شركات الغزل والنسيج التابعة للشركة القابضة وعددها 33 شركة تضم 63 مصنعًا، والتي تمثِّل المستهلك الرئيسي للقطن المصري، أمام تحدي توفير القطن الذي تم تحرير تجارته بعد أن كانت الدولة هي التي تقوم بالمهمة، وكان سعر قنطار القطن 100 جنيه، بعد قانون تحرير تجارته وصل السعر إلى 500 جنيه.
في هذا التوقيت كانت شركة مصر للغزل والنسيج تستهلك مليون قنطار قطن، ارتفع سعره من 100 إلى 500 مليون، أي: أن الشركة خسرت في عام واحد 400 مليون جنيه؛ بسبب تحرير تجارة القطن، وهو ما أدَّى إلى اللجوء للاقتراض والمديونية التي أصبحت من أهم المشاكل التي تواجه شركات قطاع الأعمال العام) (راجع المصدر السابق) .