الفساد (91) الصناعة ودورها في الاقتصاد المصري (3)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
ومع بداية التسعينيات بدأت الحكومة برنامجًا لخصخصة القطاع العام (ومِن ثَمَّ قررت التوقف عن الاستثمار في الشركات المملوكة على افتراض أن المالك الجديد سوف يقوم بالاستثمار في الإحلال والتجديد أو التوسعات وَفْقًا لخططه الإنتاجية والتسويقية، ولكن بالرغم مَن تعثر برنامج الخصخصة، فإن الحكومة استمرت في الامتناع عن الإحلال والتجديد في الشركات المملوكة لها، وترتب على ذلك تدهور شديد في الطاقات الغزلية والنسيجية وانخفاض القدرة التنافسية، وسارت الأمور مِن سيئ إلى أسوأ في القطاع الذي كان يسيطر على 80 % من الطاقة الغزلية و65 % من الطاقة النسيجية. ومع بداية الألفية الجديدة تنبه كل من القطاع الخاص والدولة إلى خطورة الوضع القائم، كانت صادرات الملابس قد وصلت في ذلك الوقت إلى حوالي مليار دولار، ولكن اعتماد الصادرات من الملابس والمفروشات على غزول وأقمشة مستوردة استمر على ما هو عليه، وهو ما ينذر بهشاشة الوضع، وعدم القدرة على الانطلاق بشكلٍ فَعَّال) (راجع مقال: "مستقبل الصناعات النسيجية في مصر: الفرصة الأخيرة" كتبها محمد قاسم - جريدة المصري اليوم عدد الجمعة 15 ديسمبر2017، ص 9) .
وقد شهدت الصادرات المصرية (نموًّا غير مسبوق خلال الفترة من 2006م وحتى 2011م؛ إذ بلغ معدل النمو خلال هذه الفترة أكثر من 20 % سنويًّا في المتوسط لتصل إلى 6و1 مليار دولار)، (ولقد عانت الصادرات النسيجية المصرية خلال الفترة من 2012م وحتى 2016م مثل كافة القطاعات الصناعية الأخرى من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي الذي أعقب ثورة الخامس والعشرين من يناير، والذي أدَّى إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج المختلفة، وخفضت الحكومة المساندة التي كانت تمنحها للصادرات. كما سمحت السياسة النقدية -غير الحكيمة- للجنيه المصري بالارتفاع مقابل العملات الأجنبية الأخرى، وأدَّى ذلك إلى تآكل القدرة التنافسية للصادرات المصرية وانخفاضها خلال تلك الفترة من 6و1 مليار دولار بنهاية 2012م حتى وصلت إلى 3و1 مليار دولار بنهاية 2016 م بانخفاض 19 % خلال هذه السنوات الخمس. وعلى الرغم من عودة الصادرات المصرية النسيجية للزيادة مرة أخرى).
(كنتيجة مباشرة لتعويم الجنيه في نوفمبر2016 م؛ إلا أن النظرة الموضوعية إلى الصناعة النسيجية المصرية تجعلنا نعترف بأن الوضع ما زال بالغ الهشاشة، فبالرغم من وجود بعض الاستثمارات الخاصة في مجال الغزول القطنية الرفيعة، وكذلك بعض الاستثمارات في النسيج، وعلى الأخص أقمشة (الدينم)؛ إلا أنه ما زالت الغالبية العظمى من صادرات الملابس والمفروشات تعتمد على غزول وأقمشة مستوردة، ولا توجد استثمارات جديدة تذكر في مجال الغزل والنسيج والصباغة والتجهيز يمكن أن تستجيب لاحتياجات صناعة الملابس والمفروشات سواء المتجهة إلى السوق المحلية أو التصدير) (المصدر السابق) .
الفرصة الأخيرة:
قال الأستاذ محمد قاسم: (دعونا نتأمل المشهد العالمي للصناعات النسيجية: فمن ناحية الطلب فإن الولايات المتحدة وأوروبا يمثِّلان حوالي70% من إجمالي الطلب العالمي على الملايس والمفروشات المنزلية، وتعتبر الصين اللاعب الرئيسي في هذه الصناعة حيث تستحوذ على 50 % من الإنتاج العالمي و40 % من الصادرات العالمية. الأسواق الرئيسية (الولايات المتحدة وأوروبا) تبحث دائمًا عن موردين ذوي تكلفة منخفضة لتلبية حاجاتهم من الملابس والمفروشات. تكلفة الإنتاج في الصين والدول الأسيوية الأخرى ارتفعت وستستمر في الارتفاع ، ولم يبقَ هناك دول ذات عمالة رخيصة غير الدول الإفريقية. صادرات إفريقيا من الملابس متواضعة للغاية تدور حول12 مليار دولار (من إجمالي 444 مليار دولار) منها: 10 مليارات من شمال إفريقية (مصر - تونس - المغرب)، وملياران فقط من إفريقيا جنوب الصحراء. الصين قررت تخفيض صادرتها النسيجية بنسبة 15 % (حوالي 32 مليار دولار)، حتى تتمكن إفريقيا من الاستجابة للطلب العالمي على الملابس والمفروشات يجب عليها أن تقوم ببناء صناعة قوية لإنتاج الغزول والأقمشة، حيث إن هناك شرطين لكي تنجح أي دولة في تنمية صادرتها من الملابس والمفروشات:
- الشرط الأول: القدرة على النفاذ للأسواق، وهو ما يستلزم وجود اتفاقات تسمح لمنتجات هذه الدول بالدخول إلى الأسواق الأخرة بدون جمارك.
- الشرط الثاني: القدرة على الاستجابة السريعة لاحتياجات السوق المستوردة، وهو ما يستلزم وجود الخامات الرئيسية من غزول وأقمشة بالقرب من إنتاج الملابس والمفروشات.
الشرط الأول يتوافر في إفريقيا سواء شمالًا، أو جنوب الصحراء، لكن الشرط الثاني غير متوافر بالمرة.
وهنا تأتي فرصة مصر:
مصر هي الدولة الوحيدة -في حالة نجاحها في إحياء صناعة الغزول والأقمشة- القادرة على الاستجابة لاحتياجات صناعة الملابس سواء في شمال إفريقيا أو جنوب الصحراء نتيجة لموقعها الجغرافي.
مصر هي الدولة الوحيدة في القارة الإفريقية ذات تاريخ في صناعة الغزل والنسيج، يصل إلى قرنٍ مِن الزمان، ويؤهلها لسرعة بناء هذه الصناعة مرة أخرى.
مصر لديها تعليم قبل الجامعي (الفني) وجامعي و(كليات جامعية ومعاهد عليا) متخصصة في العلوم النسجية بما يمكنها من الوفاء باحتياجات الاستثمارات الجديدة في هذه الصناعة، وحيث إن الصين هي المنتج الأكبر في هذه الصناعة، ونظرًا للسياسات الاقتصادية التي تنتهجها، فإن هناك العديد مِن المصانع القائمة تبحث عن فرص استثمارية في الخارج، فإن مصر يجب أن تتعاون مع الجانب الصيني، وتوفر كل الحوافز والضمانات التي تساعد على استقرار الاستثمار في مصر) (المصدر السابق) .
(ونحن الآن بصدد تطوير وإنشاء مجموعة من المدن النسجية بالتعاون مع الجانب الصيني لإنتاج ما تحتاجه الصناعة المصرية، سواء للسوق المحلية (إحلال واردات) أو للتصدير. وستقوم هذه المدن النسجية أيضًا بالاستجابة لطلبات منتجي الملابس الأفارقة في: تونس، والمغرب، وكينيا، وإثيوبيا، وغيرها من الدول المنتجة جنوب الصحراء.