شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

استعينوا بالله واصبروا (1-2)

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،

فقد قضى الله -عز وجل- بعدله وحكمته أن جعل الأيام بين الناس دولاً (وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) (آل عمران:140- 141) .

فجعل الله -عز وجل- الأيام يتناوب الناس فيها اليسر والعسر، والعز والذل، والتمكين والاستضعاف، وقدر الله -سبحانه وتعالى- لأنبيائه ورسله -وهم صفوته من خلقه- وقدر أيضاً على أوليائه أن تمر عليهم فترات من المحن والشدائد، وأن تمر عليهم فترات يُستضعفون فيها في الأرض، وأن يكونوا قلة أذلة (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآَوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (الأنفال:26) .

قدر الله -عز وجل- مع كونه لا يحب الظالمين ولا يحب الكافرين، وإنما سلطهم مدة وجيزة من الزمن على عباده المؤمنين ليستخرج من عبده المؤمن أنواعاً من العبودية يحبها، ولا يمكن أن توجد هذه الأنواع لو أنه هدى الناس جميعاً، وهو -عز وجل- لو شاء لهدى الناس جميعاً، وأمره -سبحانه وتعالى- لا يحتاج إلى تكرار وتثنية (وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) (القمر:50) .

يقع ما أمر -سبحانه وتعالى-، وهو -عز وجل- لا يعجزه أن يجعل الناس أمة واحدة على الإيمان، حتى أعدى أعداء الدين هو قادر -عز وجل- أن يقلب قلوبهم على الهدى، ولو شاء لجعل الناس أمة واحدة، لكنه قدر ذلك للحكم البالغة، حكمة بالغة له الحمد -سبحانه وتعالى- عليها، لذلك عندما يجد المؤمن المسلمين يصابون بأنواع المصائب والمحن، ويضطهدون بأنواع الاضطهاد، ويجد الفساد ينتشر في مشارق الأرض ومغاربها، ويرى البلاء والمحن، ويرى أنواع الشدائد يحمد الله -سبحانه وتعالى-.

ولابد أن يقع في قلبه معانٍ إيمانية ضرورية لكي يستفيد من هذه المرحلة التي قدرها الله -عز وجل- في الحقيقة ليظهر فيه الخير، ليخرج -سبحانه وتعالى- من قلوب أوليائه ما يحب من الاستعانة به والصبر على طاعته -سبحانه وتعالى-، وعلى ما يصيب الإنسان بسبب مخالفته لأهل الفساد والكفر والنفاق.

وكذلك ليوقن المؤمن بوعد الله -سبحانه وتعالى-، ويستحضر أن الله الذي أعطى، وأن الله الذي مَنَّ، وأن الله الذي آوى، لأنه سوف تأتي عليهم فترات يكونون هم ملوك الدنيا فوق الخلق يتحكمون فيهم فيما يبدو لهم، فهل يكونون في ذلك كملوك الدنيا وأهل الدنيا؟! يتحكمون فيهم لأنفسهم ولهواهم ويقولون صنعنا وانتصرنا وغلبنا وقهرنا و (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي) (القصص: 78) ، (هَذَا لِي) (فصلت:50) ، ونحو ذلك مما قصَّ الله علينا من كلام الكفرة والفسقة والفاجرين؟ أم يعلمون أن الله -سبحانه- الذي أورثهم الأرض بمشيئته -سبحانه وتعالى- لا بقدرتهم ولا بتخبطهم ولا بأعدادهم.

هناك معان إيمانية لابد أن يستحضرها المؤمن عندما يمر بظروف تشبه الظروف التي مر بها أنبياء الله -سبحانه وتعالى- من قبل:

أول هذه المعاني أن يشهد المؤمن قضاء الله -عز وجل- وقدرته، وحكمته وعدله -سبحانه وتعالى-، ويشهد أن الأمور كلها بقضاء (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) (القمر:49) ، ذلك من أعظم ثمرات الإيمان، وأن يشهد خلق الله -عز وجل- لأفعال العباد، وأنه هو -سبحانه وتعالى- الذي جعلهم كذلك، ليستحضر ملك الله وليستحضر عزته وقهره -عز وجل-.

انظر وتأمل في قول موسى -صلى الله عليه وسلم- وهو يدعو ربه -عز وجل-: (رَبَّنَا إِنَّكَ آَتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ) (يونس:88) .

وموسى -عليه الصلاة والسلام- لم يستحضر في هذه اللحظة أن فرعون عنده ما عنده من المال والجنود والملك والسلطان، لم يستحضر هذا المعنى، وإنما استحضر أن الله آتاه فقال: (رَبَّنَا إِنَّكَ آَتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ) ، لم يستحضر إلا أن فرعون آلة لنفوذ قضاء الله وقدره، وهذا والله من أعظم الأمور أهمية، حين يرى العبد أن من يواجههم من الكفرة والظالمين أعداء الإسلام أضعف وأذل من أن يرجوهم أو يخالفهم أو أن يظن أن الأمور بأيديهم، لماذا يسير الناس في ركب الظالمين؟ ولماذا يداهنون الكافرين؟ لماذا يوالونهم؟

ذكر الله -عز وجل- عن المنافقين ذلك بأنهم يخشون أن تكون الدولة والغلبة لهم، يخشون أن تكون هناك مرحلة أخرى، فهم يعدون العدة لذلك، وحينما يكون الأمر بالفعل للكفرة والظلمة فإن أكثر الناس تبعاً لهم، لأنهم استحضروا أن الملك لهؤلاء كما قال الله -عز وجل- عن المنافقين (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) (النساء:138) .

انظر... فضحهم الله -عز وجل- وبيّن حقيقة ما في قلوبهم، يتولون الذين كفروا لأنهم يبتغون عندهم العزة، يعاونون على الفساد لأنهم يريدون من المفسد مكانة ومنزلة، لو استحضروا أن المُلْكَ لله، وأن الله الذي آتى فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا، وأنه -سبحانه- الذي قدر أن يوجد من يضل عن سبيله، وفى قدرته أن يمحوهم في لحظة، وفي قدرته -سبحانه وتعالى- أن يزيلهم من على وجه الأرض، ومع ذلك قدر ربنا أن يضلوا عن سبيله.

الصفحة التالية