استعينوا بالله واصبروا (1-2)
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
ولماذا قدر الله ذلك؟! لأن هناك قلوباً خبيثة، وهناك ما يشبه المغناطيس يجذبها له، كما قال -عز وجل-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (الأنفال:36-37) .
انظر، الكفار ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، وذلك يكون عليهم بعد ذلك (فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ) يتحسرون لماذا؟! لأنهم لا يجدون ثمرة لما يفعلون، يجدون عكس ما يريدون من صد الناس عن سبيل الله، وفى نهاية الأمر (ثُمَّ يُغْلَبُونَ) وتأمل ذكر (ثُمَّ) في هذا الموضع، وهى للتراخي، لكي تطمئن، لكي يسكن قلبك، لأن الأمور كلها بمقادير، وأن لها موعداً محدداً، ولا تقل: لماذا لم يأخذهم الله الآن؟ لماذا تركهم يفسدون في الأرض ثم يغلبون؟ ثم سوف يأتي ذلك الزمان.
ولذلك قال الله -عز وجل- لنبيه: (وَلاَ تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ) (الأحقاف:35)، فإياك أن تستعجل، واعلم أن كل شيء بحكمة وبقدر من الله -عز وجل- الملك المليك المقتدر فهو -عز وجل- الذي آتى فرعون وأمثاله في كل زمان هذه القوة والزينة.
وقال -عز وجل-: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ . وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ) (الأنعام:112-113) .
تأمل والله هذه الكنوز القرآنية، تأمل أن الله الذي جعل، هذا أول ما ينبغي أن تلحظه: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا) ، لم يقل كذلك كان لكل نبي وإنما قال: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا) ، الله الذي خلق في قلوبهم ذلك كما قال -تعالى-: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ) ، وبدأ بشياطين الإنس أكثر (يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) يشير بعضهم على بعض، ويأمر بعضهم على بعض، وينصح بعضهم على الفساد والكفر والنفاق (زُخْرُفَ الْقَوْلِ) أي القول المزخرف الذي يحسبه سامعه حقاً وهو باطل، وأكثر الناس ليس عندهم من التمييز والقدرة على معرفة النافع من الضار (غُرُورًا) أي ليغروهم به.
(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ) استحضر هذا جيداً، كل الأمور بمشيئته -سبحانه-، (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ) ، ثم إذا تم ذلك بإذنه وبحكمته وقع ما أراد -سبحانه وتعالى-، وهو الذي قدر -عز وجل- وجود الأعداء وكيد الأعداء، وكل ذلك لهوانهم عليه، ولذلك قال لنبيه -عليه الصلاة والسلام- (فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) وهذا نوع من الاحتقار، لا تعبأ بهم، لا تقلق، لا تضطرب من ذلك، والخطاب في حقيقة الأمر لكل مؤمن كما قال: (لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادْ) (آل عمران:196) .
هم أهون على الله -سبحانه وتعالى- من أن يجعل لهم منزلة وقدراً، لو كانت الدنيا بأسرها تساوى عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء، لو أن الدنيا بأسرها كانت تساوى عند الله شيئاً ما مد عمر إبليس ليطول عمره في الدنيا منذ خلق الله آدم وأمر ملائكته بالسجود وأبى إبليس، -مخلوق قبل آدم- إلى قيام الساعة عمر إبليس، سألها إبليس فأعطاها له.
انظر لتعرف هذه الدنيا، ما أشد تفاهتها وحقارتها فإن الله أعطاها لعدوه إبليس اللعين حين سألها، لأنها أتفه ما يكون، لذلك استحضر أن ذلك بمشيئة الله -سبحانه وتعالى-: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) (الأنعام:112) ، هم يكيدون كيداً والله -عز وجل- يكيد كيداً (فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا) (الطارق:17) ، وكذلك قال -سبحانه-: (فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ) (القلم:40) ، يمد لهم -عز وجل- ولكنهم مربوطون فيما أراد -عز وجل- أن يكونوا فيها (وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) لمتانة كيده -عز وجل- أملي لهم، وفتح عليهم أبواب كل شيء، قال -سبحانه وتعالى-: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ . فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ . فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام:42-45) .
قال الله -سبحانه وتعالى-: (وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ) أي إلى الزخرف من القول الغرور (أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآَخِرَةِ) من حكمته -سبحانه وتعالى- أنه جعل قلوباً تميل إلى هذا الباطل وتقبله وتحبه وترضاه، وتعين عليه وتدعو له وتسعى إلى نشره في الأرض، وهذا باطل وأمر قبيح، ولكن كثيراً جداً من النفوس تميل إليه بسبب ماذا؟ بسبب انعدام الإيمان (وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ) (الأنعام: 113) ، ليكسبوا ما هم مكتسبون، لتكون نهايتهم ولتكون عاقبتهم كما كان عاقبة من قبلهم.
