استعينوا بالله واصبروا (1-2)
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
كذلك إذا استحضر أن الله الذي يجعل هذا في النهاية لا شيء، يجعله مطموساً عليه، لا يثمر الثمرة التي رجاها أصحابه منه، هان علينا أمرهم، ولذا دعا موسى -عليه السلام- ربه أن يطمس على أموال آل فرعون، قال: (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ) (يونس:88) ، ومضى زمن، بعض أهل العلم من أهل التفسير يقول: "بين الدعوة وبين الإجابة أربعون سنة"، الله أعلم كم كان؟! ولكن الدعوة أجيبت، ولكن لا يعني ذلك أن تجاب في نفس اللحظة، الدعوة المجابة يمكن أن تبقى مدة لا يرى الناس إجابتها في الواقع إلى أن يأذن الله -سبحانه وتعالى-، لأن كل شيء بمقدار (قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ) (يونس:89) .
كذلك الاستقامة على أمر الله من أعظم ما يعين على الثبات على دين الله، وعدم متابعة سبيل الذين لا يعلمون، عدم متابعة الكفرة والظلمة والمنافقين والفسقة، فكل هؤلاء لا يعلمون، وبالأولى أنك لا تكون من الذين لا يعلمون، إذا كنت قد نهيت عن اتباع سبيلهم فمن باب أولى ألا تكون منهم، فذلك العلم من أعظم ما يعين على الثبات على دين الله -سبحانه وتعالى-، أن تكون على علم، لأنك إذا علمت الحق وأيقنت بوعد الله -سبحانه وتعالى- فإنك لن تعبأ بما تراه من مقدمات وبدايات.
هذا هو الدرس الأول والفائدة الأولى، أن تستحضر أن الأمور بمقادير، شهود قضاء الله -عز وجل- وقدره، وأن الملك لله -سبحانه-، وأنه يفعل ما يشاء، وأن الأمور بيده (هُوَ الَّذِي جَعَلَ) تكرر هذا في القرآن كثيراً، قال -تعالى-: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا) (الفرقان:31) ، الله -عز وجل- جعل المجرمين يدبرون الإضلال، ومع ذلك فكفى بالله هادياً، والمؤمنون لا يجدون أي سبيل للنصرة من الناس في الأرض، والله كفى به نصيراً (وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا) .
كما أنه -سبحانه وتعالى- الذي يجعل أئمة الهدى، فأنت إذا نظرت إلى منة الله -عز وجل- عليك أن جعلك مؤمناً مسلماً وترجو أن تكون محسناً في ظروف وفى أحوال أكثر أهل الأرض قد ضلوا عن سبيل الله، فذلك منة من الله -سبحانه وتعالى- عليك، هو الذي جعلك كذلك، فاشهد منته وفضله العظيم.
والله إنه لفضل عظيم أن يصطفيك الله -سبحانه وتعالى- لدينه وسط هذا الركام الهائل، وسط هذه الضلالات والمنكرات والمفاسد، يجعلك ملتزماً بطاعته اختارك الله من بين ملايين البشر لتكون مسلماً، وقد جعل غيرك يعبدون البقر، ويعبدون الشياطين، ويعبدون الأوثان، ويعبدون البشر، وينسبون إلى الله الصاحبة والولد، ويفعلون ويفعلون، انظر إلى ما اجتباك الله به: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ) (الحج:78) .
منة من الله أن سماك مسلماً قبل أن تولد، وكتبك في اللوح المحفوظ مؤمناً مسلماً متابعاً لنبيه-عليه الصلاة والسلام- قبل أن يصدر منك شيء، وقبل أن توجد في الأرض بمن فيها، فإن الله كتب في الذكر كل شيء، وكتب مقادير الخلائق قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، فإذا نظرت إلى هذا رأيت منة الله عليك.
وإذا كنت ممن رفع الله همته أكثر فجعله يعمل من أجل الإسلام فهذا والله لهو الشرف فإذا كنت تعمل بالإسلام فذلك شرف لك، وإذا كنت ملتزماً بالدين في وسط الكفرة والمنافقين في الملايين بل آلاف الملايين من البشر، أنت واحد في فئة غير ملتزمة، فإذا أضفت إلى ذلك -وهى في الحقيقة من ضمن العمل بالإسلام- أن تعمل من أجل إعلاء كلمة الله وتدعو إليه وتسعى لتكون كلمة الله هي العليا فهذا شرف وكرم من الله -تعالى- عليك أعظم.
