شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مفتاح النصر والتمكين

محمود عبد الحميد • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد،

فإن للمعصية شؤماً على صاحبها، وهي تؤدي إلى نزول البلاء وحصول الهزيمة، ولذلك كان على مَن أراد النصر على عدوه أن يتوب إلى الله -عز وجل- من كل ذنب وخطيئة، فإن الله -عز وجل- حكى عن الأنبياء وأممهم وأقوامهم من اعترافهم وتوبتهم واستغفارهم، وذلك عند سؤاله النصر على الأعداء فقال -تعالى-: (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ . فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران:147- 148).

ولما علم القوم أن العدو إنما يُدال عليهم بذنوبهم، وأن الشيطان إنما يستزلهم ويهزمهم بها سواء كانت المعصية تقصيرا في حق أو تجاوزا لحد، وأن النصرةً منوطة بالطاعة, قالوا: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا) (آل عمران:147)، ثم علموا أن ربهم -تبارك وتعالى- إن لم يثبت أقدامهم وينصرهم لم يقدروا على تثبيت أقدام أنفسهم ونصرهم على أعدائهم، فسألوه ما يعلمون أنه بيده دونهم، وأنه إن لم يثبت أقدامهم وينصرهم لم يثبتوا ولم ينتصروا، فـَوَفـَّوا المقامَين حقهما، مقام المُقتضى وهو التوحيد والالتجاء إليه -سبحانه- ومقام إزالة المانع من النصرة وهو الذنوب والإسراف.

وقد بين الله -سبحانه وتعالى- أنه صدقهم وعده يوم أُحُد في نُصرتهم على عدوهم في أول المعركة وهو الصادق الوعد، وأنهم لو استمروا على الطاعة ولزوم أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم أحد لاستمرت نصرتهم، ولكن انخلعوا عن الطاعة وفارقوا مركزهم على الجبل ففارقتهم النُصرة، فصرفهم عن عدوهم؛ عقوبة وابتلاءً وتعريفاً لهم بسوء عواقب المعصية، وحسن عواقب الطاعة ثم أخبر -سبحانه- أنه عفا عنهم بعد ذلك كله، وأنه ذو فضل على عباده المؤمنين.

قال -تعالى-: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران:152).

قيل للحسن: كيف يعفو عنهم وقد سلط عليهم أعداءهم حتى قتلوا منهم من قتلوا ومثلوا بهم ونالوا منهم؟ فقال: لولا عفوه عنهم لاستأصلهم، ولكن بعفوه عنهم دفع عنهم عدوهم بعد أن كانوا مجمعين على استئصالهم.

ففي هذه الآية بين الله -سبحانه وتعالى- الحِكم والغايات المحمودة التي كانت في وقعة أحد ومنها: تعريفهم سوء عاقبة المعصية والفشل والتنازع، وأن الذي أصابهم إنما هو بشؤم ذلك، فلما ذاقوا عاقبة معصيتهم للرسول -صلى الله عليه وسلم- وتنازعهم وفشلهم كانوا بعد ذلك أشد حذرا ويقظة وتحرزاً من أسباب الخذلان.

وترك المعصية ينشأ من أسباب عديدة منها:

السبب الأول: علم العبد بقبحها ورذالتها، وأن الله إنما حرمها ونهى عنها صيانة وحماية عن الدنايا والرذائل، كما يحمي الوالد الشفيق ولده عما يضره، وهذا السبب يحمل العاقل على تركها، ولو لم يعلق عليها وعيدا بالعذاب.

السبب الثاني: الحياء من الله -سبحانه- فإن العبد متى علم بنظر الله إليه ومقامه عليه، وأنه بمرأى منه ومسمع، وكان حيياً استحى من ربه أن يتعرض لمساخطه.

السبب الثالث: مراعاة نعمة الله عليك وإحسانه إليك، فإن الذنوب تزيل النعم ولابد، فما أذنب عبد ذنباً إلا زالت عنه نعمة من الله بحسب ذلك الذنب، فإن تاب وراجع رجعت إليه أو مثلها، وإن أصر لم ترجع إليه، ولا تزال الذنوب تُزيل عنه نعمة حتى تُسلب النعم كلها، قال -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد: 11)، وقال -تعالى-: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الأنفال: 53)، وأعظم النعم الإيمان قال بعض السلف: "أذنبت ذنباً فحرمت قيام الليل" وقال آخر: "أذنبت ذنبا فحرمت فهم القرآن" وقالوا:

إذا كنت في نعمة فارعها فإن المعاصي تزيل النعم

وقال بعضهم:

رأيت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذلَ إدمانُها

وترك الذنوب حياة القلب وخير لنفسك عصيانها

وبالجملة فإن المعاصي نار النعم تأكلها كما تأكل النار الحطب -والعياذ بالله- فنعوذ بالله من زوال نعمته.

السبب الرابع: خوف الله وخشية عقابه، وهذا إنما يثبت بتصديقه في وعده ووعيده، والإيمان به وبكتابه وبرسوله، وهذا السبب يقوى بالعلم واليقين، ويضعف بضعفهما، قال -تعالى- (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (فاطر:28).

السبب الخامس: محبة الله وهي أقوى الأسباب في الصبر عن مخالفته ومعاصيه؛ فإن المحب لمن يحب مطيع، وكلما قوي سلطان المحبة في القلب كان اقتضاؤه للطاعة وترك المخالفة أقوى، وإنما تصدر المعصية والمخالفة من ضعف المحبة وسلطانها، وفرق بين من يحمله على ترك معصية سيده خوفه من سوطه وعقوبته وبين من يحمله على ذلك حبه لسيده ، وفي هذا قال عمر -رضي الله عنه- "نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه"، يعني أنه لو لم يخف الله لكان في قلبه من محبة الله وإجلاله ما يمنعه من معصيته، فالمحب الصادق عليه رقيب من محبوبه يرعى قلبه وجوارحه.

السبب السادس: شرف النفس وزكاؤها وفضلها وأنفتها وحميتها أن تختار الأسباب التي تحطها وتضع من قدرها وتخفض منزلتها وتحقرها وتسوي بينها وبين السفلة.

الصفحة التالية