شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (92) الصناعة ودورها في الاقتصاد المصري (4)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فتلقي قضيةُ المصانع المتعثرة والمتوقفة عن العمل بتداعياتها على الإنتاج والعمالة في مصر، مما يوجب الانتباه لها وسرعة التعامل معها بجدية وفي أقرب وقت ممكن؛ فـ(وَفْقًا لإحصائيات بعضها رسمية -وبعضها غير رسمي- وَصَلَ عددُ المصانع المغلقة منذ عام 2011 م وحتى الآن 4 آلاف و500 مصنع، وخلَّفت وراءها ما يقرب من 250 ألف عامل مصري عاطلين حسب بيان أصدره الاتحاد المصري العمال والفلاحين في أكتوبر من عام 2014 م) (راجح تحقيق: (لغز المصانع المغلقة: مسلسل مستمر) - جريدة صوت الأمة - عدد 3 فبراير 2018 م : ص 6) .

فـ(مدينة السادس من أكتوبر بمناطقها الصناعية المتعددة يتواجد بها 670 مصنعًا، تم إغلاقها بسبب تعثراتها المادية ومديونياتها لدى البنوك)، (يعمل بها آلاف العمال أبرزها: مصانع تخصصت في صناعة النسيج والغزل، والملابس، والكيماويات، والأغذية، والصناعات الهندسية، وصناعة الأثاث، ومواد البناء)، (أكثر من 16 مليون عامل مصري في المصانع المصرية، لكن الدولة تتحدث عن استثمارات خارجية وتنسى مشكلات المصانع ورجال الأعمال المصريين، ولا تساعد في أي حلول)، (مصانع يأكلها الصدأ في المنطقة الصناعية الثانية بمدينة السادس من أكتوبر، الطرق شبه خالية مِن المارة، والمصانع أبوابها مغلقة، والتراب يتراكم على جدرانها، لا يتواجد بداخل تلك المصانع أي شخص سوى (خفير) يحرس أبوابها الحديدية التي يأكلها الصدأ! عدد كبير من هذه المصانع أغلقت بسبب تعثرها المادي) (المصدر السابق بتصرفٍ) .

(كانت هناك مبادرة قامت بها حكومة إبراهيم محلب في عام 2014 م وقت تولي منير فخري عبد النور وزارة الصناعة؛ بأن تصرف الحكومة 500 مليون جنيه لحل أزمة المصانع المتعثرة، وقتها فتحت الوزارة أبوابها لأصحاب المصانع المتعثرة لتسجيل بياناتهم، وتلقت 956 طلبًا من تلك المصانع المتعثرة للاستفادة من مبادرة الحكومة في التمويل في حال اعتماده؛ إلا أن فخري عبد النور صَرَّح بأن الوزارة لا تستطيع صرف الـ500 مليون جنيه الخاصة بحل مشكلة المصانع المتعثرة بسبب رفض محافظ البنك المركزي إعطاء هذه القيمة من الأموال) (راجع المصدر السابق) .

وفي عام 2017م (صَرَّح وزيرُ الصناعة والتجارة المهندس طارق قابيل بأن هذا العام سيكون العنوان الأبرز لإغلاق ملف المصانع المتعثرة نهائيًّ،ا والذي ظل عالقًا لأكثر من 5 سنوات) (المصدر السابق) . ومع ذلك فما زالت الأزمة كما هي، بل زادت مع تفشي فيروس كورونا.

أزمة مع رأس المال الوطني:

قال الكاتب فاروق جويدة في مقال له بعنوان: (رجال الأعمال: ما لهم وما عليهم): (لقد تابعت عبْر سنوات طويلة علاقة الحكومات المتعاقبة مع رجال الأعمال منذ هوجة الانفتاح في السبعينيات، وحتى رحيل النظام السابق في 2011 م)، (كنت أعرف الكثير من الأسماء، وأعرف أيضًا كيف بدأت مسيرتهم، وفي أي موقع دخل دولاب العمل الرسمي، ابتداء بمسلسل توزيع الأراضي، وانتهاء بسياسة بيع القطاع العام، وبرنامج الخصخصة وما حدث فيه من جرائم ولا أقول تجاوزات. هناك مجموعة مؤشرات حكمت العلاقة بين الدولة ورجال الأعمال في علاقة ثنائية لا أعتقد أن الشعب -صاحب الحق- كان طرفًا فيها! هناك حكومات تصرَّفت مع رجال الأعمال بمنطق البيع والشراء؛ أنها -أي: الحكومة- تملك كل شيء، ورجال الأعمال هم أصحاب الحق في اقتسام كل شيء مع الحكومة! وربما كان هذا هو السبب في أن موارد الدولة المصرية وأصولها قد تم اقتسامها بين مجموعات الفساد في الحكومات المتعاقبة، ومَن حصل على قدرٍ كبيرٍ من الثقة من رجال الأعمال.

وهنا يمكن أن نتحدث عن الظواهر التي أكَّدت ذلك كله:

أولًا: لا يمكن تجاهل مسلسل توزيع الأراضي؛ سواء كانت زراعية أو عقارية أو صحراوية، وقد قامت الدولة بتخصيص مساحات مهولة لبعض الأشخاص نظير مقابل مادي هزيل، وقد حدث ذلك في الأراضي الصحراوية والمناطق السياحية في الغردقة، وشرم الشيخ، والمدن الساحلية، وكان هذا المشروع من أكبر مصادر الثروة في مصر طوال الأعوام الثلاثين الماضية.

إن تجارة الأراضي هي الاستثمار الوحيد الذي شجَّعته الحكومات بعيدًا عن أي مصادر استثمار أخرى في الصناعة والزراعة باستثناء السياحة، وكانت تجارة الأراضي هي أكبر مصادر الثروة فيها، وللإنصاف فإن البعض أقام مشروعات، ولكن الأغلبية تاجرت في الأراضي.

ثانيًا: لا أحد حتى الآن يستطيع أن يحدد خسائر الاقتصاد المصري في بيع مشروعات القطاع العام، في ظل برنامج مشبوه اسمه الخصخصة. وللأسف الشديد: أن الدولة وبعد ثورتين، وسقوط نظامين، وخلع رئيسين؛ لم تقترب من قريبٍ أو بعيدٍ مِن هذا الملف، وهو في تقديري من أكثر الجرائم التي تم ارتكابها في حق المصريين.

ثالثًا: مِن أهم الملفات التي أغلقت عليها الأبواب هو ملف قروض رجال الأعمال، وكانت في عام 2000 م قد وصلت إلى أرقام مخيفة، وكان أخطر ما فيها أن البنوك قدَّمت قروضًا ضخمة لرجال الأعمال، بل ضمانات وأيضًا بلا مشروعات، واختصرت كل أنشطتها في تجارة وإنشاء العقارات والمضاربات في البورصة، وتجارة العملة وعمليات السمسرة.

ولم تشهد مصر في هذه الفترة أي إنجازات في مجالات الصناعة أو الزراعة، بل على العكس تم إهدار مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية التي تحوَّلت إلى مبانٍ ومنشآتٍ، حتى إن البعض يقدِّر ما خسرته المساحة الزراعية في مصر بأكثر من مليوني فدان في ثلاثين عامًا، تحولت إلى كتل من الطوب والأسمنت.

وفي الجانب الآخر: كان التركيز على استيراد السلع الصناعية؛ خاصة السلع الغذائية، ولم تنجح مصر في إنشاء صناعات جديدة في أي مجال من المجالات، باستثناء تجميع السيارات المستوردة أو مصانع المشروبات، أو الأسمنت والحديد مِن أجل خدمة الاستثمارات العقارية التي التهمت أموال المصريين.

رابعًا: أمام التوسع في حجم القروض، تعثر عددٌ كبيرٌ مِن رجال الأعمال في عمليات السداد، ولم تكن تصرفات الحكومات المتتالية على مستوى المسئولية في علاج هذه الملفات؛ فقد أنصفت البعض بينما ظلمت البعض الآخر، طبقًا لحسابات ومواقف أبعد ما تكون عن الإنصاف والعدالة، والاستثمار الحقيقي.

الصفحة التالية