شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (92) الصناعة ودورها في الاقتصاد المصري (4)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

خامسًا: حينما جاءت ثورة يناير وأطاحت بالنظام السابق، كانت ثلاثية الماضي بين الدولة ورجال الأعمال تمثِّل عقبة شديدة أمام فريق لا يريد أن يتنازل عن مكاسب حققها في عشرات السنين، وحكومات اعتادت على منظومة الفساد التي أصبحت لها جذور. وكانت الثلاثية الخطيرة التي حكمت هذه العلاقة، تنحصر في: مأساة القروض، وكارثة الخصخصة، ومسلسل توزيع الأراضي) (راجع مقال: (رجال الأعمال: ما لهم وما عليهم) للكاتب فاروق جويدة - الأهرام عدد الجمعة 8 ديسمبر 2017 م، ص 13 بتصرف) .

ويضيف الكاتب: (هنا حدثت جفوة بين رجال الأعمال والدولة، مع شعور غامض لدى رجال الأعمال بأن الدولة لا تريد التعاون معهم كما كان يحدث في الماضي، وأن قضايا الفساد أصبحت سيفًا مسلطًا على الجميع، ومع تجاهل واضح من الدولة لدور رجال الأعمال ومدى الرغبة في الاعتماد عليهم. أمام هذه العلاقة الباردة انسحب رجال الأعمال بعيدًا عن مشروعات الحكومة؛ خاصة أن هناك طرفًا جديدًا ظهر في المعادلة، وهو: الجيش، وهو الأكثر حسمًا وشفافية، وسرعة في الإنجاز؛ خاصة في تنفيذ المشروعات الكبرى؛ مما جعل رجال الأعمال يتجهون إلى أعمال تجارية سريعة، مثل: تجارة العملة، والسلع الغذائية، وتجارة الأراضي والعقارات) (المصدر السابق) .

ويضيف الكاتب: (إن رجال الأعمال الذين اعتادوا على معاملة؛ خاصة من مؤسسات الدولة في الماضي القريب يرون أنهم الآن بعيدون تمامًا عن اهتمام سلطة القرار. إن الدولة تستقبل رؤساء الشركات الأجانب، وتجري المباحثات معهم بكل الترحيب، بينما لم تشهد الساحة لقاء مسئول كبير، ورجل أعمال مصري أو مجموعة من رجال الأعمال؛ رغم أن فيهم أسماء تتمتع بسمعة دولة وإقليمية، كما أن فيهم مَن لم يتورط في تجارة الأراضي أو صفقات الخصخصة، ولم يحصل على قروض من أموال الدولة، وهذا يعني أن الدولة ليست لديها الثقة الكاملة في رجال أعمالها.

ما زالت هناك حلقات مفقودة بين الدولة ورجال الأعمال حول تصفية بعض القضايا المعلَّقة؛ خاصة في الأراضي، ومتأخرات الضرائب، وما بقي من مسلسل القروض، وأن الدولة لا تبدي الجدية الكاملة في إنهاء هذه الملفات، في حين أنها انتهت من حسم ملفات كثيرة أمام القضاء بالنسبة لعددٍ كبيرٍ مِن رموز النظام السابق انتهت بأحكام قضائية بالبراءة. ويطالب رجال الأعمال بإنهاء ما بينهم وبين الدولة من الأزمات والمشاكل حتى يستعيدوا أنشطتهم من جديد.

إن الدولة ما زالت -كما يقول رجال الأعمال- تريد منهم أموالا وهم يريدون مشروعات، وأعمالًا جديدة، والفرق كبير بين مَن يفرض حقوقًا ومَن يدعو للمشاركة؛ خاصة أن الكثيرين منهم قد توقفت أنشطتهم تمامًا.

والدليل: أن الدولة حتى الآن ليست جادة في دعم رجال الأعمال، فهناك آلاف المصانع المغلقة التي ترفض الدولة حتى الآن توفير الموارد المالية والقروض لتشغيلها، بل إن البنوك لا تشجِّع أبدًا إنقاذ هذه المشروعات، رغم ما تحملته الدولة من خسائر طوال السنوات الماضية.

يضاف لذلك: أن هناك قضايا معلقة بين الدولة وعددٍ مِن رجال الأعمال لم تُحسم بأي صورة من الصور، هناك مشروعات توقفت كانت سببًا في زيادة معدلات البطالة؛ خاصة في مجال السياحة، ولم تقدِّم الدولة الدعم اللازم لأصحاب هذه المشروعات، وفيها أكثر مِن أربعة ملايين عامل.

هناك أضرار كبيرة لحقت برجال الأعمال في عمليات الاستيراد؛ خاصة أن البنوك تطالبهم بالتعامل مع سعر الدولار الجديد، أي: أن مَن اقترض مليون دولار بالسعر القديم عليه الآن سدادها مع الفائدة بالسعر الجديد.

إن رجالَ الأعمال يشعرون الآن بأن الدولة قد استغنت عن خدماتهم وأنشطتهم، وهم في نفس الوقت يطلبون الدعم من مؤسسات الدولة، مثل: البنوك، وأجهزة الاستيراد والتصدير، والضرائب والجمارك، وكل مؤسسات الدولة المساعدة التي تحمي أنشطتهم وأموالهم، وتشعرهم أن الدولة حريصة عليهم.

لا شك أننا أمام قطاع مهم للغاية وهم رجال الأعمال؛ إنهم مثل الابن الذي دللـه والده في بداية حياته حتى أفسده، ومطلوب منه الآن أن يلتزم وأن يعمل، وهذه هي الأزمة الحقيقية بين رجال الأعمال والدولة المصرية أنهم يريدون نفس المكاسب التي حصلوا عليها في يوم من الأيام، والدولة لم يعد لديها ما تقدمه الآن، بل إنها تطالبهم بسداد حق الشعب في أموالهم بأثر رجعي. وهناك ملفات كثيرة تم إغلاقها في برنامج الخصخصة، وبيع أصول الدولة أو مسلسل توزيع الأراضي أو قضايا القروض مع البنوك، وقبل هذا وكله أن الدولة تفتح الآن ملفات كثيرة للفساد، وهي قد تطول أسماء ورموز كثيرة) (المصدر السابق بتصرفٍ يسيرٍ) .

وفي مقال له بعنوان: (مَن يحمي أموال الشعب مِن إسراف الحكومة؟) كتب في يوليو 2017 م، قال الكاتب فاروق جويدة: (إن الشيء الغريب أنه رغم كل هذه الحصيلة مِن الأموال التي جمعتها الحكومة مِن مصادر عدة، بقي بند الاستثمار الأجنبي محدودًا للغاية، ولم يتجاوز أربعة مليارات، وهذا رقم بسيط جدًّا أمام حكومة تسعى لتشجيع الاستثمار الخارجي)، (لقد نجحت الحكومة في جمع أرقام ضخمة؛ سواء من زيادة الأسعار أو تشجيع الادخار برفع سعر الفائدة، وقد تجاوزت ودائع البنوك المصرية مبلغ 3 تريليونات جنيه؛ إلا أن القضية ليست في جمع الأموال، ولكن في استثمارها، هذا بخلاف أذون الخزانة سواء كانت بالجنيه المصري أو العملات الأجنبية؛ إننا لا نعلم شيئًا عن استخدامات الودائع المصرفية في البنوك، وهل هي أموال مكدسة أم مشروعات وإنتاج وعمالة.

إذا بقيت الودائع في البنوك بلا استخدام فهي خطر كبير؛ لأن مسئولية البنوك ليس تخزين الأموال، ولكن أهم مسئولياتها: تشجيع الإنتاج، وفتح فرص العمل، ومواجهة البطالة؛ خاصة أن البنوك الآن تدفع فوائد كبيرة في شهادات الاستثمار)، (إن البنوك ليست حصالة لجمع المدخرات، ولكنها أحدث ما وصل إليه الإنسان في إبداع وسائل جديدة للإنتاج والاستثمار، وتوفير فرص العمل، والقضاء على البطالة).

الصفحة السابقة الصفحة التالية