شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (17)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

قصة بناء الكعبة (15)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فنستكمل ما في قصة إسكان إبراهيم هاجر وإسماعيل -عليهم السلام- مكة المكرمة، مِن فوائد:

الفائدة السادسة:

قوله: ( فَانْطَلَقَ إبْرَاهِيمُ حتَّى إذَا كانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لا يَرَوْنَهُ، اسْتَقْبَلَ بوَجْهِهِ البَيْتَ، ثُمَّ دَعَا بهَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ، ورَفَعَ يَدَيْهِ فَقالَ: ( رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) (إبراهيم:37) :

فقوله: ( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير: لو قال: "أفئدة الناس"؛ لازدحم عليه فارس والروم، واليهود والنصارى، والناس كلهم، ولكن قال: ( مِّنَ النَّاسِ ) فاختص به المسلمون.

فاعلم أيها المسلم المحب لبيت الله الحرام، المشتاق لأداء الحج والعمرة نعمة الله عليك أن جعلك مِن أهل هذه الدعوة المباركة، وأوصل إليك نورها عبر آلاف السنين من حين قالها إبراهيم -عليه السلام- إلى أن وُلِدتَ ووُجِدتَ وصِرتَ مُحبًّا لبيت الله الحرام.

ولنتأمل قوله: ( أَفْئِدَةً ) ولم يقل: أبدانًا؛ فإبراهيم لم يهتم بالأبدان في دعوته؛ بل اهتم بالقلوب، ولم يسأل الله شكل عبادة حول البيت، بل حقيقة العبادة التي أصلها عبادة القلب، وحبه وخضوعه وذله، وهذا ذكره الله -سبحانه- في كلِّ العبادات، فقال في أول أمر يمر به قارئ المصحف: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (البقرة:21) ، والتقوى في القلب كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (التَّقْوَى هَاهُنَا) -وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- (رواه مسلم) ، وقال -تعالى-: ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ) (المؤمنون:1-2) ، وليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها، فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ الْعَبْدَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ مَا يُكْتَبُ لَهُ مِنْهَا إِلَّا عُشْرُهَا، تُسْعُهَا، ثُمُنُهَا، سُبُعُهَا، سُدُسُهَا، خُمُسُهَا، رُبُعُهَا، ثُلُثُهَا نِصْفُهَا ) (رواه أحمد وأبو داود، وحسنه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) ، وهذه أحاديث حسنة.

وقال -تعالى-: ( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (التوبة:103) ، وقال في الحج: ( لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ ) (الحج:37) ، وقال -عز وجل-: ( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ) (الحج:32) .

فليكن همنا في كل عبادتنا تحقيق حقيقتها في عبودية القلب، وليس بالشكل والكميات فقط، قال الله -سبحانه- عن القرآن: ( كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ) (ص:29) ، فذكر الله -سبحانه- التدبر والتذكر ولم يذكر الختمة؛ مع أن ختم القرآن كل مدَّة مشروع؛ بدأ النبي -صلى الله عليه وسلم- أمره لعبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- بأن يختمه كل شهر، فقال له: ( وَاقْرَأِ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ )، قُلْتُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: ( فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ عِشْرِينَ )، قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: ( فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ عَشْرٍ )، قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: ( فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ سَبْعٍ، وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ ) (رواه مسلم) .

وقد فهم الصحابة ذلك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال ابن مسعود -رضي الله عنه- لرجل قال له: "إني لأقرأ المفصل في ركعة، قال: هذًّا كهذِّ الشِّعْر؟! (أي: القراءة السريعة جدًّا)، إني لأعلم النظائر التي كان يقرأ بها الرسول -صلى الله عليه وسلم- عشرين سورة في عشر ركعات".

فلنهتم بالتدبر أكثر من كمية القراءة، كما قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "أَمِرُّوه على القلوب، ولا يكن هَمُّ أحدكم آخرَ السورة".

وقوله: ( وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ): لم يقل -عليه السلام-: "لعلهم يأكلون"، أو "لعلهم يعيشون"، بل قال: "لعلهم يشكرون"؛ فالشكر هو الغاية المقصودة، وإنما كانت النعم الدنيوية -بل والدينية- سببًا لتحقيق الشكر بشهود نعمة الله وتعظيمه بها ومحبته عليها، وأن النعم كلها منه وحده لا شريك له، وإجراء اللسان بالثناء عليه والحمد له -سبحانه-، ثم استخدام هذه النعم في طاعته؛ وإلَّا فأي نعمة دنيوية لا تكون سببًا للشكر والطاعة والعبادة تقلبها معصية الناس وكفرهم إلى نقمةٍ وعذابٍ، قال -تعالى-: ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ) (إبراهيم:7) .

وإنما يعمل إبليس عمله على الناس حتى لا يشكروا نعم الله عليهم، فقال: ( وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ) (الأعراف:17) ، وهذا ظنه الذي صَدَّقه عليهم، كما قال -تعالى-: ( وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (سبأ:20) ، فالزموا الشكر عبادَ اللهِ يزدكم ربكم من نعمه وفضله، وينجيكم من كيد عدوكم.

الصفحة التالية