شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (17)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

وبعد، فهذه الدعوة المباركة التي غيَّرت وجه الأرض، فالدعاء مِن أعظم أسباب تغيير الحياة على وجه الأرض، فالله -سبحانه- قدَّر مقادير وقدَّر لها أسبابًا، ومما قدَّره الله -سبحانه وتعالى- تعمير مكة المكرمة، وتعمير بيته الحرام للقيام والسجود، والركوع والطواف، والاعتكاف، وسائر أنواع العبادات، وقد ( جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ ) (المائدة:97) ؛ فبه يقوم أمر الناس، وإذا أوشكت الدنيا على الانتهاء أَذِن الله -قَدَرًا- في هدمه ولا بقاء للناس من غير الكعبة المشرفة، فمِن أشراط الساعة الكبرى: هدم الكعبة، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( يُخَرِّبُ الكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الحَبَشَةِ ) (متفق عليه) ، وأما قبل ذلك فلا قِوام للناس إلا ببيت الله الحرام، والحج إليه والاعتمار، وبتوجُّه المؤمنين إلى هذه القبلة المشرَّفة.

كيف عُمَّرت هذه البقعة، وكيف اتجهت إليها قلوب الملايين، وتتجه وجوههم إليها، وتريد قلوبهم أن تذهب إلى هذا المكان؟!

يذهب الملايين في كل عام إلى هذه البقعة المشرفة وما حولها من البقاع المقدسة؛ لأداء فرض الحج الذي أمر الله -سبحانه- بأدائه وافترضه على الناس، وجعله ركنًا من أركان الإسلام، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ، عَلَى أَنْ يُعْبَدَ اللهُ، وَيُكْفَرَ بِمَا دُونَهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ ) ( متفق عليه) .

عُمَّرت هذه البقعة بهذه الدعوة المباركة من إبراهيم -عليه السلام-، بل وقلوب الملايين مِن المسلمين غير مَن يحج ويعتمر، تهفو وتهوي إلى هذه البقعة؛ دعوة غيَّرت وجه الحياة!

إذا نظرنا كيف تكونت هذه البلدة؟

كيف صارت بلدًا آمنًا حرامًا؟!

كان ذلك بدعوة!

فتأمل هذه المسألة جيدًا؛ لتعرف أثر الدعاء في تعمير البلاد، وأيضًا في خرابها؛ فدعوة نوح -عليه السلام-: ( رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ) (نوح:26) ، غيَّرت وجه الحياة على ظهر الأرض أيضًا، فكم مِن الدعوات تغيِّر وجه الحياة! وكم مِن الدعوات تذهب بلا أثر! ربما كان أثرها في صاحبها فقط على حسب قوة الإيمان والقرب من الله القوي العزيز الحكيم القدير؛ الذي يملك كل شيء، له ملك السماوات والأرض، وما بينهما، مالك الملك.

وهنا يبرز السؤال: لماذا ندعو كثيرًا ولا نرى أثرًا، وربما نجد الأثر بعد حين، وقد يجد البعض أثرًا وقد لا يجد؟!

كل هذا حسب قوة القلوب، وقوة الدعاء، هناك دعوات تتزلزل لها الأرض والسماوات، وهناك دعوات تُجَاب مِن ساعتها، وهناك دعوات يُؤجِّل اللهُ -عز وجل- إجابتها، والبعض قد يُؤجَّل إلى يوم القيامة بما شاء -سبحانه-، والله -عز وجل- أمر المؤمنين بالدعاء ووعدهم بالإجابة، وهو لا يخلف الميعاد: ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) (غافر:60) .

فإذا كنا نريد أن تتغير الحياة في عالمنا، ونريد أن يعود الناس للتوحيد، وأن يقوي اللهُ أهلَ الإسلام على أعدائهم، وإذا كنا نريد أن ينصر الله -عز وجل- المسلمين في المشارق والمغارب، وأن يكف أيدي الظالمين عنهم، وأن يرفع تسلط العدو عن أرضهم وبلادهم، وأبدانهم وأولادهم، وحرماتهم ومقدساتهم؛ فلابد أن نعمِّر قلوبنا أولًا بالقرب من الله -عز وجل-، وكثرة ذكره؛ فالأذكار التي تُذكر في مواطن الذكر المختلفة لها الأثر العجيب إذا استحضر الإنسان معانيها، واقترب من الله -عز وجل- بها، فهي تغيِّر بالتأكيد من الإنسان، وتغير من المجتمع، وتغير من وجه العالم بأسره.

دعا إبراهيم -عليه السلام- فصارت أفئدة الخلق تهوي في كلِّ زمان؛ ليس فقط إلى ذريته المباشرة إسماعيل -عليه السلام-، بل إلى مَن كان مِن نسله.

هَوَت القلوب وأحبت هذه البقعة، مستعدة أن تنفق الغالي والثمين حتى تصل إلى هذه البقعة؛ لتقضي فيها لحظات تظل حية في القلوب، لتشتاق إلى العودة مرة أخرى، ( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا ) (البقرة:125) ، ولا يرى أحدًا أنه قد قَضَى مِن البيت وطرًا؛ لأنه بَيْت مبارك؛ أول بيت وضع في الأرض لعبادة الله.

إن هذه البقعة الصخرية في مكة، التي لا يمكن أن ينبت فيها نبات؛ تراها جبالًا صخورًا صماء من كلِّ جانب؛ ومع ذلك تعج بالحياة بهذه الطريقة العجيبة، وتأتي القلوب إليها والأبدان من كلِّ مكان بقدرة الله -سبحانه وتعالى-.

بلدة تكونت بدعوة؛ فأنَّى لنا بدعوة تشبهها؟!

الصفحة السابقة