شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

التغطية الإعلامية المنحازة ضد السلفية في رمضان (الموقف من العنف - حجية حديث الآحاد)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فبينما يدَّعي الليبراليون أن جوهرَ مذهبهم هو حرية الرأي؛ إلا أننا في الواقع نجد: أنهم لا يطبِّقون هذا إلا على الآراء التي تأخذ منهم صكَ اعتراف بصلاحيتها، وأما تلك التي لا يرونها هم صالحة؛ فإنهم يمارسون ضدها أشد أنوع الديكتاتورية، وستجد أنواعًا مِن تزييف الواقع والتاريخ، والتُّهَم المرسلة، والمغالطات المنطقية!

وإذا كانت الليبرالية تدعو إلى التحرر مِن سلطة الدِّين؛ إلا أنها -بلا شك- على طرف النقيض تمامًا مع السلفية التي تنادي بتحقيق العبودية لله؛ تلك التي نستعين الله عليها -على الأقل- سبعة عشر مرة في اليوم والليلة، حينما نقرأ الفاتحة في صلاتنا: ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) (الفاتحة:5) .

وهذا يعني أن قضية العبودية لله هي القضية الأكثر أهمية في الإسلام، ولكن -بفضل الله- انشغلت بها السلفية، بينما انشغل عنها الشيعة، ومَن حذا حذوهم مِن الصوفية، بمزاحمة تقديسهم لمَن يظنون بهم الولاية،

وانشغل تيار الليبروإسلام بمغازلة الليبراليين على أمل الحصول على صكِّ اعترافٍ بهم، وبقي كلُّ مَن لم ترهبه محاكم تفتيش العالمانيين، ولا صيحاتهم، مستَمِدًّا منهجه مِن الكِتَاب والسُّنَّة بفهم سَلَف الأمة، يضع نصب عينيه: ( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) (الحجر:99) ، معتقدًا أنه بالعبودية لله ينال حريته مِن كلِّ مَن يريدون منه أن يتمرد على خالقه؛ ليكون تابعًا لهم، كما قال ربعي بن عامر -رضي الله عنه- لرستم قائد الفرس: "إن الله ابتعثنا لإخراج العباد مِن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد".

والحاصل: أن القوم منشغلون جدًّا بحرب السلفية، فإذا أخطأ أيُّ منتسِب للحركة الإسلامية، قالوا: "السلفية وراء خطئه!"؛ حتى لو كانت السلفيةُ تردُّ عليه ويرد عليها، كما في السِّجَال الذى يعرفه القاصي والداني بين السلفية وداعش وأخواتها؛ هذا السِّجَال الذي بلغ بهم أن اغتالوا الدكتور "مصطفى عبد الرحمن" -رحمه الله وأنزله منازل الشهداء-، ومع هذا فهم لا يفتأون يقولون: "إن داعش والسلفية شيءٌ واحدٌ!"، والقوم يحلمون بانتهاء السلفية مِن الوجود.

ومِن فرط مداعبة هذا الحلم لخيالهم: يستنبطون مِن كلِّ حَدَثٍ أن السلفية إلى أفول، حتى ولو كان حوارًا تليفزيونيًّا عارضًا: كحديث ولي العهد السعودي الرمضاني، وما ورد فيه من الكلام عن حديث الآحاد.

وسوف نتناول في هذه المقالة هاتين القضيتين اللتين أقحم فيهما الليبراليون السلفية:

أولًا: مواجهة الدعوة السلفية للعنف والتكفير مواجهة إستراتيجية وفكرية وشاملة، ولا نملك مِفْتَاح قلب كلِّ مَن يسمِّي نفسه سلفيًّا:

أثار قصة السلفي الذي استدرجه قيادي إخواني لحضور "اعتصام رابعة" التي وردتْ في سياق "مسلسل الاختيار 2" لُعَاب كارهي السلفية لكي يَتَّهِم السلفيةَ بأن جميعَ قواعدها كانت صورة مِن هذا الشخص المخدوع، وهذه الصورة تمثِّل جزءًا مِن الواقع.

وأما الجزء الآخر: فقد كنا نتمنى أن يتم إثباته؛ ليكون التأريخ مكتملًا ومُنْصِفًا للجميع، وليقطع الطريق على مَن اعتبروا أن إغفال هذا القِسْم يعني أن الجميع شاركوا في موجة العنف والتكفير؛ فإن هذا الجزء المغفل كان مِن نصيب القطاع الأكبر من السلفيين؛ الذين رفضوا الانخراط في العنف، وعلى رأسه: "الدعوة السلفية"؛ فنحن في "الدعوة السلفية" نقاوِم هذا الفكر ديانة لله -عز وجل-، بغض النظر عن أية حسابات سياسية؛ لقناعتنا أن فتنة التكفير، والجرأة على سفك الدماء هي مِن أخطر الآفات التي تصيب الأمة، وتعوق الدعوة إلى الله.

وفي ذات الوقت: فإن الدعوة السلفية لا تملك مِفْتَاح كلِّ مَن يسمِّي نفسه سلفيًّا، وإن كنا نظن أن مَن تابع الأحداث بدقة، ورصدها بتجردٍ، يمكنه إدراك وجود طرح الدعوة السلفية التي تتبنى الدعوة الإصلاحية السلمية العلنية، كما سيجد عددًا لا بأس به مِن الرموز السلفية التي لا تنتمي للدعوة السلفية، ولكنهم أيضًا يرفضون العنف والتكفير، وسيجد أن الدعوة استعملت كلَّ منابرها الإعلامية، وكل ما أُتِيح لها مِن منابر إعلامية في النهي عن العنف والتكفير.

ونحن لا ننكر مشاركةَ -بل وتَصَدُّر- عددٍ مِن التنظيمات أو الأفراد الموسومين بالسلفية لمشاهد العنف أو التكفير، أو حتى التلويح به، ولكن الباحث المنصِف سوف يدرك بسهولة أنهم أصحابُ توجُّهٍ إخواني أو قطبي، بل ربما يكون تكفيريًّا أحيانًا، وإذا جاز لآحاد الناس أن تختلط عليه الأمور؛ فلا يجوز أن تختلط على مَن يدَّعي البحث عن الحقيقة إن كان بالفعل يريد الحقيقة!

ومِن المهم هنا أن نرد على تهمة طالما رددها الكثير، وهي: "أن كلَّ قواعد الدعوة السلفية كانت في رابعة!ّ":

الواقع: أن جميع المحللين يعلم أن الدعوة السلفية نصحت "الدكتور مرسي" بالاستجابة لمطالب المعارضة؛ حتى لا تتفاقم الأمور، ثم لما فشل في احتواء المعارضة وخرجت الجموع للشارع، طالبته بإجراء انتخاباتٍ رئاسيةٍ مبكرةٍ، ولكن جماعة الإخوان اختارت التلويح بخطاب التكفير والعنف مِن قَبْل اعتصام رابعة، ثم دَعَت إلى اعتصام رابعة، ورفضت الدعوة السلفية التواجد فيه؛ لما ظهر مِن خطابٍ تمهيدي له رفضته الدعوة رفضًا قاطعًا.

والذي أريد أن أصل إليه من ذلك: أن هناك فاعليات حَضَرَتْهَا الدعوةُ السلفية، وهناك نقطة فاصلة رفضت فيها الدعوة السلفية المشاركة، وهي: "اعتصام رابعة العدوية".

إن المقارنة بين "مشهد اعتصام رابعة"، والفاعليات التي حضرتها الدعوة قَبْله، يؤكِّد الغياب المؤثِّر تأثيرًا هائلًا للدعوة عن "اعتصام رابعة"؛ نعم حضره مَن أشرنا إليهم، وبعض مَن تأثر بهم، ولم تتوانَ الدعوة السلفية في اتخاذ مواقف في غاية الوضوح بلا أي مواءمات مع أي شخص تورَّط في هذه الأحداث؛ لأنها تعتبر هذا خروجًا عن خطها العام منذ نشأتها.

الصفحة التالية